recent
أخبار ساخنة

حتميات الوجدان.. قراءة في فلسفة الاضطرار البشري



 

كتبت ـ منى منصور السيد

يقف الإنسان المعاصر في ذروة تقدمه العلمي والتكنولوجي، مزهوًا بقدرته على هندسة العالم من حوله، والتحكم في أدق تفاصيل حياته اليومية. غير أن هذا الزهو المادي سرعان ما يتلاشى حين يلتفت المرء إلى داخله، ليكتشف أن هناك مساحات شاسعة في كيانه لا تخضع لأوامره، ولا تعترف بسلطانه إنها مساحات «الاضطرار البشري» التي تتمثل في خمس حالات كبرى: النوم والحب، والاحتياج إلى الاحترام، والنفور، والاشتياق.


هذه الخماسية ليست مجرد عوارض بيولوجية أو مشاعر عابرة، بل هي حتميات نفسية وأخلاقية تحمي إنسانيتنا من التحول إلى آلة جامدة وتذكرنا دائمًا بأن للروح قوانينها التي لا يملك العقل البشري أمامها حق النقض.


ينطلق هذا الاضطرار أولًا من الجسد، في صورته الأكثر فرضًا وإلحاحًا: النوم. فالنوم ليس خيارًا نملكه أو نرفضه وفق جدول أعمالنا، بل سلطان بيولوجي يفرض حضوره على الجسد مهما بلغت قوة الإرادة. ولعل أبلغ مثال على ذلك حال الطالب الذي يحيط نفسه بالمنبهات، ويسرف في تناول المنشطات ليلة امتحانه المصيري، محاولًا بكل جوارحه قراءة السطر الأخير ثم فجأة، ودون إذن منه، يسقط رأسه على كتابه ليغرق في نوم عميق؛ إذ ألغت حاجة الجسد الحتمية كل طموحات العقل الواعي.


وفي مشهد تاريخي أكثر قسوة، كان الجنود في خنادق الحروب ينامون أحيانًا تحت دوي المدافع وأصوات الانفجارات؛ فرغم أن غريزة الخوف من الموت تُعد من أقوى الغرائز، فإن سلطان النوم كان أقوى، فأجبر الأجساد على الاستسلام لترميم ذاتها.


وإذا كان النوم يمثل قيد الجسد، فإن الحب يمثل مغناطيس القلوب الذي لا يعترف بالمنطق أو الحسابات العقلية. نحن لا نختار من نحب، بل نجد أنفسنا مدفوعين نحو شخص ما بقرابة روحية غامضة يصعب تفسيرها ماديًا.

قد يلتقي المرء بإنسان يمتلك أرفع الصفات من وسامة ومكانة ونبل ويحاول العقل بكل وسائله إقناع القلب بأن هذا هو الشريك الأنسب، ومع ذلك لا يتحرك القلب نحوه خطوة واحدة. وفي المقابل، قد ينجذب الكيان بأكمله إلى شخص بسيط لا يراه الآخرون مميزًا، لكن الروح تجد السكينة في جواره.


وتفيض الآداب العالمية بقصص العشاق الذين تحدوا عائلاتهم وظروفهم السياسية والاجتماعية، لأنهم ببساطة لم يملكوا خيارًا آخر؛ فالقلب إذا أصدر حكمه بالحب، وقفت الإرادة عاجزة عن التراجع.

أما القيمة الأخلاقية التي تتولد من هذا التفاعل الإنساني فهي الاحترام؛ ذلك النبل الذي يُكتسب بالسلوك والسلام الداخلي، ولا يمكن فرضه بالنفوذ أو شراؤه بالمال. فالاحترام حالة وجدانية تنبع من الآخرين تجاه المرء بناءً على أثره فيهم.

ويتجلى ذلك بوضوح في مقارنة واقعية بين مدير مستبد في شركة يملك سلطة فصل الموظفين؛ فعندما يدخل يقف الجميع إجلالًا، وتُوزع الابتسامات خوفًا من بطشه، وبمجرد أن يُغلق باب مكتبه يبدأ الجميع في انتقاده والسخرية من قراراته. هذا المدير امتلك الطاعة بقوة السلطة، لكنه افتقد الاحترام.

وفي المقابل، قد نجد عاملًا بسيطًا في الشركة نفسها يتمتع بخلق رفيع وصدق، فيتسابق الجميع لمصافحته بمحبة نابعة من الأعماق؛ مما يثبت أن الاحترام سلطة أخلاقية تُمنح طواعية، ولا تُنتزع قسرًا.

وعلى الضفة المقابلة للحب والاحتياج إلى الاحترام، يأتي النفور والكراهية كحواجز غير مرئية تحمي خصوصية الأرواح. وكما أن المودة لا تُفرض، فإن انقباض النفس تجاه بعض الأشخاص لا يمكن منعه إذا وجدت أسبابه العميقة.

وفي هذا المعنى جاء القول: «الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف».

كثيرًا ما نلتقي بشخص لأول مرة، فيبادر بابتسامة ويلقي التحية بتهذيب ومع ذلك نشعر بنفور غريزي ورغبة في إنهاء اللقاء سريعًا، ونحاول لوم أنفسنا على هذا الشعور غير المبرر، لكنه يظل حاضرًا.

وتظهر هذه الحتمية أيضًا في الكراهية الناتجة عن الخذلان؛ فعندما يتعرض إنسان لخيانة قاسية من صديق عمره، قد يحاول بكرم أخلاقه أن يسامحه ويعيد المياه إلى مجاريها، لكنه يجد قلبه قد تغيّر، ولم يعد يطيق سماع اسمه؛ فالقلب إذا انكسر لا يملك صاحبه زرًا لإعادة تشغيل الود.

ويأتي الاشتياق ليكون مسك الختام في منظومة التمرد على الإرادة؛ فهو الهجوم المباغت للذاكرة، والحنين الكامن في الروح إلى الماضي وإلى أشخاص غابوا عن حياتنا.

يمكن للمرء أن يقنع نفسه عقليًا بأنه تجاوز مرحلة معينة أو شخصًا رحل، ويعيش يومه بانشغال كامل بمسؤوليات الحياة، وفجأة، وسط زحام الشارع وضغوط العمل، تمر بجانبه رائحة عطر مألوفة، أو يستمع إلى لحن أغنية قديمة، أو يرى شخصًا يسير بالطريقة نفسها.

في تلك الثواني المعدودة، يتوقف الزمن، وتجتاح صدره موجة حنين عارمة تقوده إلى شرود طويل؛ فالاشتياق لا يستأذن، ولا يحترم الانشغال، بل يفرض نفسه كقوة تؤكد أن غياب الأجساد لا يعني غياب الوجدان.

إن إدراكنا لعدم سلطاننا الكامل على هذه الأمور الخمسة ليس دليلًا على الضعف، بل مصدر من مصادر السلام الداخلي. فهذا الفهم العميق يعلمنا كيف نتعامل مع مشاعرنا ومشاعر الآخرين بقدر أكبر من الرحمة والقبول، بعيدًا عن الصراع مع حتميات الطبيعة البشرية.

وفي نهاية المطاف، يظل هذا العجز الجميل أمام النوم والحب والاشتياق والنفور والاحتياج الفطري إلى الاحترام، هو الحارس الأمين لإنسانيتنا والبرهان على أن في هذا الوجود أسرارًا وروحًا تتجاوز حدود العقل والمادة.

google-playkhamsatmostaqltradentX