عن ديوان قمر مجهول يُعدّ ديوان "قمر مجهول" للشاعرة منى منصور تجربةً شعريةً ثريةً تستحق الوقوف عندها نقديًا، إذ يجمع بين ملامح الرمزية والنزعة الصوفية ويقدّم نصوصًا تتجاوز حدود البوح الفردي لتغدو مشروعًا أدبيًا متماسكًا.
فالقمر هنا ليس مجرد صورة جمالية، بل رمز للغموض والبحث عن المعنى، يتوزع بين وجوه متعددة: وجه الحنين المقدس في قصيدة "في محراب الحنين"، ووجه الأمومة والامتنان في "منبع الحب"، ووجه الخذلان في "خذلان المزاج"، ووجه الفناء الروحي في "الحضرة" و**"وكيف تقبض على التراب بمائه"**. ويعكس هذا التوزع الموضوعي قدرة الشاعرة على بناء بنية دلالية متشابكة، تجعل من كل قصيدة جزءًا من لوحة كلية متكاملة.
ومن الناحية الأسلوبية، يتسم الديوان بالاعتماد على الإيقاع الداخلي المتولد من التكرار والجرس الموسيقي مما يمنح النصوص طابعًا ترنيميًا أقرب إلى التراتيل. كما تمتاز اللغة الشعرية بالشفافية والرمزية في آنٍ واحد
فهي لغة قادرة على الجمع بين المباشرة العاطفية والعمق الفلسفي، وبين الصور الحسية والرموز الكونية.
ويظهر ذلك في صور شعرية مثل: "أنا الطفلة وأنت الكون أجمع"، و"فانظر لقلبي هل تراه رمادًا أم مرجَ زهرٍ" حيث تتحول التجربة الفردية إلى تجربة إنسانية أوسع تتجاوز حدود الذات.
ومن منظور نقدي، يمكن قراءة الديوان في ضوء الرمزية الحديثة التي تجعل من القمر رمزًا للغموض والبحث عن الحقيقة، وفي ضوء التجربة الصوفية التي ترى في الحب والفناء طريقًا للبعث الروحي. كما يمكن النظر إليه من زاوية النقد الاجتماعي في قصائد مثل
"اصحى يا نايم" حيث يتجلى الوعي والتحذير من الغفلة وضياع العمر.
إن ديوان "قمر مجهول" يرسّخ مكانة منى منصور بوصفها صوتًا شعريًا متميزًا يجمع بين العاطفة والرمزية، وبين الفردي والجماعي، وبين الغياب والحضور، ويقدّم نموذجًا للشعر العربي المعاصر الذي يمزج بين الوجد العاطفي والعمق الفلسفي، مما يجعله جديرًا بالدراسة والنشر في المجلات الأدبية والبحثية على حد سواء.
وكان هذا نص القراءة النقدية الرصينة التي جاد بها البروفيسور نميري سليمان علي من جامعة سنار – كلية الآداب – السودان، والتي فتحت للنصوص آفاقًا جديدة من القراءة والتحليل والتأمل الأكاديمي.
ومن رحاب الكلمة وبهاء الحرف، أتوجه بآيات الشكر والامتنان، وبفيض من التقدير الأكاديمي والأدبي، إلى البروفيسور الفاضل نميري سليمان علي على هذه القراءة النقدية الحانية والعميقة التي خصّ بها ديواني "قمر مجهول".
إن وقوف قامة نقدية سامقة مثله عند نصوص الديوان وتفكيك بناها الدلالية والجمالية، لهو وسام يزدان به هذا المنجز الشعري، وإضافة حقيقية تضيء عتمة المجهول في التجربة، وتمنح الرموز أبعادًا أكثر اتساعًا وجاذبية.
لقد لامس البروفيسور نميري، ببراعته المعهودة، جوهر التجربة الشعرية حين استنطق وجوه القمر المتعددة في الديوان؛ ما بين حنينٍ مقدس، وأمومةٍ حانية، وخذلانٍ إنساني، وصولًا إلى الفناء الروحي والتجلي الصوفي.
وإن هذا الالتقاط الذكي لـ«البنية الدلالية المتشابكة» والالتفات إلى «الإيقاع الداخلي والتكرار الموسيقي» يعكسان عينًا ناقدة فاحصة لم تكتفِ بالمرور العابر على السطح، بل غاصت في أعماق اللغة الشفافة والرموز الكونية التي حاولتُ نسجها بين دفتي الديوان.
وما أسعدني بحق في هذا النقد البنّاء هو قدرة الناقد على الربط بين الذاتي والجماعي، وبين الفردي والفلسفي وقراءته للديوان في ضوء الرمزية الحديثة والتجربة الصوفية والوعي الاجتماعي.
إن رؤيته لقصيدة "اصحى يا نايم" بوصفها تحذيرًا من الغفلة وضياع العمر، تؤكد أن الشعر لديه رسالة حية تتجاوز حدود البوح الفردي لتلامس هموم الإنسان في كل زمان ومكان.
شكر وتقدير
أكرر شكري العميق وامتناني البالغ للبروفيسور نميري سليمان علي على هذه الإضاءة الباهرة، التي أعدّها دافعًا كبيرًا لمواصلة العطاء الشعري، ومثالًا يُحتذى في النقد الأدبي الرصين الذي يثري الساحة الثقافية العربية ويدفع بالمبدع نحو آفاق أرحب من التميز والإبداع.
مع صادق محبتي واعتزازي،
الشاعرة: منى منصور السيد
