وجهة نظر ( 4 ) الثأر بين تداعياته الاقتصادية وآثاره الأمنية على المجتمع
بقلم : القاضي عصمت العيادي
رئيس محكمة الاستئناف
استوضحنا في حديثنا بالمقال السابق، بشأن الحادثين الجنائيين سالفي الذكر، خطورة آثارهما الاجتماعية من مختلف النواحي. ونتحدث في هذا المقال عن الخطورة الاقتصادية والأمنية.
أما من الناحية الاقتصادية، فهي صعيد يكتوي الجميع بناره؛ فلا بيع ولا شراء، ولا أي معاملة مدنية مشروعة قانونًا يمكن أن تتم بين الطرفين، وكأننا عدنا إلى جاهلية قريش التي حرّمت البيع والشراء والتعامل بكافة صوره مع المسلمين في بداية عهد الإسلام.
وهنا نتساءل: كيف يتم البيع أو الشراء بين طرفين تجمعهما خصومة ثأرية؟ وقد أغلق كل طرف متاجره الواقعة في منطقة نفوذ الطرف الآخر خوفًا من الذهاب إليها، كما امتنع كل طرف عن المرور بمنطقة نفوذ الآخر. حتى الأطفال أفهمتهم أمهاتهم عدم المرور بالمنطقة الأخرى التي يقطنها
في تصورهم - أولئك الوحوش الأشرار وآكلو لحوم البشر.
وامتنع كل طرف عن الذهاب إلى أراضيه الزراعية لجني ثمارها أو حصاد محاصيلها، إلا إذا تفضّل بعض أهل الخير والجود من العائلات الأخرى بالمساعدة، وبرضا الطرفين أصحاب الثأر، وإلا نشأ ثأر جديد مع المتدخل لفعل الخير.
وفي الوقت الذي ترتفع فيه أصوات الجميع مطالبة جهات النفوذ الحكومية والأهلية والأدبية بالتدخل لحل المشكلات، فإن الألسنة قد تقول ذلك كذبًا ونفاقًا، بينما تضمر القلوب عكسه تمامًا؛ إذ تتحرق شوقًا لرؤية دماء الآخرين تسيل في الشوارع، ظنًّا منهم أنها تشفي جرحًا قديمًا، بينما هي في الحقيقة تفتح جروحًا جديدة، وربما لا تلتئم أبدًا.
وقد خبرنا ذلك من خلال العمل والحياة اليومية؛ فماذا تنتظر عندما تُطلق الأعيرة النارية من الشارع في كل الاتجاهات، ويزداد الأمر سوءًا عندما يتم إطلاق النار في الوقت ذاته من فوق أسطح المنازل؟ وعندما يسقط القتيل يلحق به البعض بالسكاكين والخناجر للتأكد من وفاته والتشفي منه ومن أهله.
وما بعد ذلك إلا أمران، وربما ثلاثة: عائلات تجوع بسبب العوز المادي وعدم القدرة على توفير احتياجات البيوت اليومية، فضلًا عن شراء الأسلحة بأسعار تتضاعف استغلالًا للموقف، وسداد مصروفات القضايا المنظورة أمام القضاء أو الاستعداد لما قد يُرفع منها مستقبلًا.
وبعد حديثنا السابق عن الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، نتناول الجوانب الأمنية للحادث، فنقول إنها تتوازى في الخطورة مع المسألتين السابقتين
بل إنني أراها ربما تفوقهما؛ لأنها أساس الهدوء الاجتماعي والاستطاعة الاقتصادية، لما لها من تأثير نفسي مرعب على جميع أبناء المجتمع.
وقد يتساءل البعض - باعتبار انعدام الخبرة بالمسائل الأمنية التي أصبحت شديدة التعقيد -: أين الشرطة من الحادث؟ ولماذا لم تمنعه؟ وكأنهم يطالبون بتعيين شرطي لكل مواطن لمنع وقوع الجرائم
مع أن ذلك حتى لو تحقق - لن يوقف ارتكابها.
وعمومًا، فإن موقع وقوع كل من هاتين الجريمتين سيظل، لفترة قد تطول
أو تقصر، شاهدًا يروي للمارة قصة إجرام إنسان وسفك دماء أريقت ظلمًا وعدوانًا.
كما أن جميع أهل القاتل، حاضرهم وغائبهم، لن يشعروا بالأمان، ولو كان أحدهم بين أحضان أسرته؛ فالكل يعيش في خوف دائم من أن يُسرق بعض عمره، أو يُيتم أبناؤه، أو تترمل زوجته، أو تثكل به أمه.
وقد بادرت الشرطة - مشكورة - بمحاولة ضبط القاتل في كل من الحادثين وإذ تيقن كل منهما أن القبض عليه سيعقبه تحقيق جنائي ومحاكمة قضائية وربما حكم بالإعدام شنقًا، تمادى كل منهما في غيه حتى قضى نحبه وهو يهاجم قوات الشرطة بالأسلحة النارية، دون أن يتعقل أو يستسلم ليد القانون.
وأضيف هنا أن مما أحزنني في أحد الحادثين أن بعض من يدّعون العلم ببواطن الأمور زورًا وبهتانًا، قد أشاعوا أن ذوي المجني عليهم القتلى زاروا السيد مدير أمن المحافظة في مكتبه، وطلبوا منه القبض على المجرم حيًّا وتسليمه إليهم ليأخذوا بثأرهم منه وتنتهي المشكلة، وكأننا نعود إلى عهود الغاب.
وقد جاء الرد بكل عقل وحكمة، مؤكدًا عدم معقولية هذا الطلب وعدم قانونيته، ووجوب ترك الأمور تسير في مجراها القانوني؛ لأننا لسنا في عهد الغاب، ولأن الشرطة هي يد القانون.
فهل هناك افتراء أكبر مما صدر عن هؤلاء؟ والأغرب أن بعضهم من ذوي النفوذ الاجتماعي الكبير.
وهكذا طويت صحيفة المجرمين، ولم تُطوَ صحيفة الحادثين، وندعو الله أن يهدي المجتمع إلى سبيل الرشد والسلام.
