recent
أخبار ساخنة

الدكتورة إيناس عمر الصاوي | تكتب ما وراء المشهد | هل تحولت الحقيقة إلى وجهة نظر؟ بين ضجيج السوشيال ميديا وصناعة الروايات

ما وراء المشهد : هل تحولت الحقيقة إلى وجهة نظر؟ بين ضجيج السوشيال ميديا وصناعة الروايات 



    ما وراء المشهد 

بقلم : دكتورة إيناس عمر الصاوي

مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة 


لم يعد الوصول إلى الحقيقة في عصرنا الحالي أمرًا سهلًا كما كان في الماضي.

ففي عالم تمتلئ شاشاته بالأخبار العاجلة، والمقاطع القصيرة، والمنشورات المتدفقة بلا توقف، أصبح الإنسان يعيش وسط حالة غير مسبوقة من التشوش الفكري

 حتى بات السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ما نراه حقيقة فعلًا… أم مجرد رواية نجحت في الانتشار؟



لقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي شكل الوعي الجمعي حول العالم.

فالمعلومة لم تعد تمر عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية فقط، بل أصبحت تنتقل بسرعة هائلة بين ملايين المستخدمين، دون تدقيق كافٍ أو تحقق حقيقي من المصدر.


ومع تطور التكنولوجيا، دخل العالم مرحلة أكثر تعقيدًا؛ حيث أصبح بالإمكان إنتاج صور ومقاطع فيديو وأصوات مزيفة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، تبدو شديدة الواقعية إلى درجة تصعّب على المتلقي التفرقة بين الحقيقة والخداع.



الأخطر أن خوارزميات المنصات الرقمية لا تعطي الأولوية دائمًا للمحتوى الصحيح، بل للمحتوى الأكثر إثارة وقدرة على جذب التفاعل.

فكلما كان الخبر صادمًا أو مثيرًا للغضب والخوف، زادت فرص انتشاره، حتى لو كان مضللًا أو ناقصًا أو بعيدًا عن الواقع.


وهنا بدأت الحقيقة تفقد مكانتها التقليدية، لتحل محلها “الرواية الأكثر تأثيرًا”.

ففي كثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لم يعد الناس يبحثون عن الوقائع بقدر بحثهم عما يؤكد قناعاتهم المسبقة وانحيازاتهم الفكرية.




لقد تحولت المعارك الحديثة من صراعات على الأرض فقط، إلى صراعات على العقول أيضًا.

الدول والجماعات والمؤسسات باتت تدرك أن السيطرة على الرواية قد تكون أحيانًا أكثر أهمية من السيطرة على الميدان نفسه.


وفي ظل هذا الضجيج الرقمي الهائل، أصبح الإنسان العادي معرضًا يوميًا لكمٍ هائل من المعلومات المتناقضة ما أدى إلى حالة من فقدان الثقة؛ ليس فقط في الإعلام بل أحيانًا في الحقائق ذاتها.



ورغم كل ذلك، تبقى المسؤولية الحقيقية مسؤولية وعي.

فالتحقق من المصادر، والتفكير النقدي، وعدم الانسياق خلف العناوين المثيرة، أصبحت ضرورة لحماية المجتمعات من الفوضى المعرفية التي تهدد استقرارها الفكري والسياسي.


ربما لم تختفِ الحقيقة بالكامل، لكنها أصبحت تواجه منافسة شرسة من الضجيج والتضليل وسرعة الانتشار.

وفي زمن أصبحت فيه الرواية الأقوى تتفوق أحيانًا على الحقيقة الأصدق، يبقى السؤال مفتوحًا:


هل تحولت الحقيقة فعلًا إلى مجرد وجهة نظر؟

أم أن العالم أصبح أكثر ضوضاءً من أن يسمع الحقيقة بوضوح؟

google-playkhamsatmostaqltradentX