recent
أخبار ساخنة

الوهم النقدي

الوهم النقدي




بقلم : السيد عبد الحي

أصبح مصطلح الوهم النقدي من المفاهيم الاقتصادية الجوهرية في عالمنا الحديث، لتوافق معناه مع التوجهات الاقتصادية على مستوى العالم ، حيث يعبر عن تجاهل الآثار السلبية للتضخم، مع استمرار زيادة الأسعار بمنحنى تصاعدي، وتجاهل مؤشرات القيمة الحقيقية، وهو ما تسبب في أزمة عام 2008 في القطاعين العقاري والمصرفي على مستوى العالم.


ويشير الوهم النقدي إلى التعامل السلبي مع حجم النقد الكلي للدولة، دون مراعاة مستويات النقد ومراكز تواجده، مما يخلق انطباعًا خاطئًا بدعم سلعة معينة

 أو قطاع محدد، ويتسبب ذلك في ارتفاع متتالٍ لهذا القطاع، موجدًا فجوة فعلية في سوق العرض والطلب.


وقد مثل الإفراط في برامج التمويل البنكي أحد عوامل فقاعة العقارات في عام 2008، وما تبعها من زلزال اقتصادي أصاب العديد من دول العالم، مما أوجد الكثير من الآثار السلبية على العديد من الأنشطة والقطاعات الاقتصادية الأخرى، وخلق خللًا واضحًا في مفهوم موجات القطيع الاستثماري التي غزت أسواق العالم أكثر من مرة.


وعلى الصعيد المحلي، تحاول الحكومة الحد من تبعات التمويل البنكي للاستثمار العقاري على مستوى الأفراد

 أو بعض الشركات، إلا أن ذلك لا يمنع من استمرار ضخامة حجم التمويل العقاري لعدد من المستثمرين والمتعاملين في مجال التطوير العقاري حتى الآن.


لكن تداعيات الوهم النقدي لا تعني أن سبب الأزمة يقتصر فقط على التمويل المتكرر، أو ما يعرف بإعادة التمويل لنفس الأصل، والذي يعد شكلًا من أشكال الإفراط النقدي في قطاع محدد. ومع تغير المعطيات ومستويات المراقبة الحكومية لحماية القطاع المصرفي ظهرت العديد من السلبيات الأخرى التي قد تعيد سيطرة الوهم النقدي على الساحة من جديد، وما قد يتبعه من كساد اقتصادي عالمي.


فبرامج “النفس الطويل” في السداد تمثل شكلًا من أشكال الترويج ودعم الاستثمار في قطاع أو سلعة معينة، وما قد ينتج عنها من تعاظم للقيمة نتيجة طول مدة السداد، بما يخلق دورة سلبية بعيدة عن مفهوم النجاح الحقيقي للاستثمار.


وعلى سبيل المثال، أصبح الاستثمار في القطاع العقاري خارج منظومة السكن الشخصي أو التجاري، وتجاوز مفهوم الاستثمار المتنوع والبسيط، بل احتجز ثروات العديد من المصريين، سواء العاملين في الداخل أو الخارج، وهو ما يمثل خللًا في مفهوم التنوع الاقتصادي وصورة واضحة للدعم الرسمي لقطاع محدد، قاده إلى المزيد من الاستثمارات، وسحب السيولة البنكية من الودائع الأكثر أمانًا، خاصة مع تخفيض معدلات العائد لتنشيط نسبي لهذا القطاع الذي خرج من حسابات أرقام التضخم الأساسية.


والأمر الأكثر غرابة هو استمرار الزخم الرسمي للتوسعات البنائية في المدن الجديدة، مع تقييد مستويات البناء والارتفاعات داخل المدن الحالية، وهو ما يمثل دعمًا حكوميًا صريحًا لشركات الاستثمار والتطوير العقاري

 دون وجود قيمة عادلة حقيقية للاستثمار.


وأعطي مثالًا على مفهوم المغالاة السعرية في المحافظات خارج نطاق القاهرة الكبرى والإسكندرية عندما تبلغ تكلفة الأرض والبناء لقطعة أرض  بالأسعار الحالية ثمن شقتين فقط في مبنى مكون من خمسة طوابق خلال عدة أشهر، وهو ما أوجد فجوة سعرية عقارية. وبمفهوم أكثر صراحة، أصبحت الأسعار في نطاق تحكم السماسرة وشركات التطوير، حتى وإن تجمدت السوق العقارية لسنوات، مما يمثل جهلًا حقيقيًا بتبعات احتجاز السيولة داخل قطاع محدد يهدد القيمة الحقيقية للثروات، سواء على مستوى الأفراد أو الاقتصاد ككل.


إنه ملف شائك، تخشى الحكومة من تبعات تراجع الأسعار العقارية وما قد يتبعه من تعثر طبيعي في برامج سداد الديون، بل والأكثر حدة هو تأثير ذلك على برامج بيع المدن والأراضي الجديدة ضمن خطة الموازنة العامة للدولة، وما قد ينتج عنه من عجز طبيعي ومنطقي في الموازنة.


كما أن الأوعية الاستثمارية المحددة أمام الأفراد أصبحت أكثر ضيقًا، مع زيادة مستويات التكاليف على الأنشطة البسيطة، الأمر الذي دفع المواطنين طبيعيًا إلى الأنشطة الأقل جهدًا، مثل الودائع البنكية، والاستثمارات في الأسهم والسندات، أو الاستثمار العقاري، وهو ما يمثل  مع الحجم الهائل للاستثمارات في تلك القطاعات  نسبة كبيرة من ثروات المواطن المصري في الداخل والخارج.


وهذا النطاق الضيق يسير في منحنى تضخمي متتالٍ لقطاع واحد، وما قد يتبعه من تعثر متوقع للعديد من المواطنين في برامج السداد، مع انخفاض العائد البنكي وزيادة تكاليف الحياة.


وفي النهاية، فإن الوهم النقدي تتجاهله الكثير من وسائل الإعلام، في ظل استمرار دعم السيولة داخل قطاع متضخم بالفعل، مما قد يدفع بنا إلى تكرار سيناريو الكساد العظيم من جديد، خاصة مع استمرار التوسعات وبرامج التقسيط طويلة المدى في قطاع محوري مثل القطاع العقاري.

google-playkhamsatmostaqltradentX