recent
أخبار ساخنة

الدكتورة إيناس عمر الصاوي | تكتب ما وراء المشهد | الخوف كسلاح سياسي… كيف تُدار الشعوب عبر الأزمات؟

ما وراء المشهد  : الخوف كسلاح سياسي… كيف تُدار الشعوب عبر الأزمات؟





  ما وراء المشهد

بقلم : دكتورة إيناس عمر الصاوي 

مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة 

في عالمٍ تتلاحق فيه الأزمات بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد الخوف مجرد شعور إنساني عابر تفرضه الظروف، بل أصبح أحد أكثر الأدوات تأثيرًا في تشكيل الوعي الجمعي وإدارة المجتمعات سياسيًا. فبين الحروب، والأزمات الاقتصادية، والتهديدات الأمنية، والأوبئة، باتت الشعوب تعيش تحت ضغط دائم من القلق والترقب، في مشهد يعكس كيف تحولت “إدارة الخوف” إلى جزء أساسي من معادلات النفوذ الحديثة.


فعلى مدار التاريخ، أدركت القوى السياسية أن الإنسان حين يشعر بالخطر يصبح أكثر تمسكًا بمن يمنحه الإحساس بالأمان، وأكثر استعدادًا لتقبّل الإجراءات الاستثنائية، حتى وإن كانت على حساب بعض المساحات الطبيعية من الحرية أو النقاش أو الاعتراض. ومن هنا، لم يعد الخوف مجرد نتيجة للأزمات، بل أصبح في أحيان كثيرة وسيلة لإدارة تداعياتها وتوجيه الرأي العام خلالها.


ومع تطور وسائل الإعلام والتكنولوجيا الرقمية، اتسعت قدرة التأثير النفسي بصورة غير مسبوقة. فالمواطن اليوم لا يعيش الأزمة عبر الواقع فقط، بل عبر سيل متواصل من الصور العاجلة، والتنبيهات، والتقارير، والتحليلات، التي تُبقي حالة التوتر حاضرة على مدار الساعة. وأصبح الخبر ينتقل أسرع من قدرة الناس على استيعابه، بينما تنتشر الشائعات أحيانًا بسرعة تفوق انتشار الحقيقة نفسها.


وفي خضم هذه البيئة المشحونة، تلعب اللغة السياسية دورًا بالغ الحساسية، إذ تتكرر مفردات مثل “الخطر”، و”التهديد”، و”الأمن القومي”، و”المؤامرة”، و”الحرب الاقتصادية”، وهي مصطلحات تُستخدم لتعبئة الرأي العام وإبقاء الشعوب في حالة استنفار دائم، بما يعزز من تماسك الجبهة الداخلية أحيانًا، لكنه يفتح الباب أيضًا أمام تضخم القلق المجتمعي.


كما أن الأزمات الكبرى أثبتت أن التأثير النفسي قد يكون أحيانًا أقوى من الحدث نفسه. فالأزمات الاقتصادية، على سبيل المثال، لا تُقاس فقط بالأرقام، بل بحجم الخوف الذي تتركه لدى المواطن بشأن المستقبل. والحروب لا تُدار بالسلاح فقط، بل كذلك عبر معارك التأثير الإعلامي وصناعة الروايات وتوجيه الإدراك الجمعي.


وفي العصر الحديث، لم تعد السيطرة على الأرض وحدها معيار القوة، بل أصبحت القدرة على التأثير في الوعي العام عنصرًا حاسمًا في الصراع السياسي الدولي. فالقوى الكبرى لم تعد تعتمد فقط على الجيوش والاقتصاد، بل كذلك على أدوات التأثير النفسي والإعلامي، في محاولة لصناعة اتجاهات جماهيرية تخدم مصالحها.


ورغم ذلك، يبقى الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأهم أمام “سياسة الخوف”. فالمجتمعات الأكثر قدرة على التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، وفهم طبيعة التلاعب النفسي، تكون أقل عرضة للانجراف خلف الذعر الجماعي أو الاستقطاب الحاد.


إن الخوف سيظل شعورًا إنسانيًا طبيعيًا لا يمكن تجاوزه، لكن الخطورة الحقيقية تبدأ عندما يتحول إلى وسيلة دائمة لإدارة الشعوب وتوجيه قراراتها. فالمعركة في عالم اليوم لم تعد فقط على النفوذ أو الموارد، بل أصبحت أيضًا معركة على وعي الإنسان ذاته، وعلى قدرته في التمييز بين الحقيقة والخوف المصنوع.

google-playkhamsatmostaqltradentX