ما وراء المشهد : زيارة السيسي للإمارات… هل تدخل المنطقة مرحلة إعادة التموضع العسكري؟
ما وراء المشهد
بقلم : دكتورة إيناس عمر الصاوي
مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة
قراءة تحليلية في أبعاد التنسيق المصري الإماراتي وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتحولات موازين القوة في الشرق الأوسط.
في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الإمارات العربية المتحدة لتفتح الباب أمام تساؤلات سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي المعتاد، خاصة مع تصاعد الحديث عن وجود عناصر وطيارين من الجيش المصري في بعض دوائر التوتر الإقليمي، وما يحمله ذلك من دلالات مرتبطة بإعادة تشكيل خرائط النفوذ والتوازن العسكري في المنطقة.
فعلى الرغم من أن البيانات الرسمية ركزت على ملفات التعاون الثنائي والتنسيق المشترك، فإن القراءة المتأنية لتوقيت الزيارة وسياقها الإقليمي تكشف أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تموضع استراتيجي غير مسبوقة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع التحولات الجيوسياسية الكبرى التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.
من البحر الأحمر إلى السودان، ومن غزة إلى ليبيا، تبدو المنطقة وكأنها تتحرك فوق صفيح ساخن، في ظل تصاعد الصراعات غير التقليدية، واتساع نطاق التنافس على النفوذ، وأمن الطاقة، والممرات البحرية، فضلًا عن التحولات المرتبطة بالتكنولوجيا العسكرية الحديثة وحروب الطائرات بدون طيار.
وفي قلب هذه المعادلة، تظل القاهرة لاعبًا رئيسيًا يصعب تجاوزه، ليس فقط بحكم ثقلها السياسي وموقعها الجغرافي، وإنما أيضًا باعتبارها صاحبة واحدة من أكبر المؤسسات العسكرية في المنطقة، بما تمتلكه من قدرات ردع وخبرات استراتيجية ممتدة.
ومن هنا، فإن التحركات المصرية الإماراتية لم تعد تُقرأ باعتبارها مجرد علاقات تعاون تقليدية، بل باعتبارها جزءًا من شبكة تنسيق أوسع تهدف إلى حماية استقرار الإقليم ومنع انزلاقه إلى موجات جديدة من الفوضى خاصة في ظل التراجع النسبي للانخراط الغربي المباشر في بعض ملفات الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، برزت خلال الفترة الأخيرة تقارير وأحاديث غير مؤكدة حول وجود عناصر أو طيارين مصريين في بعض مناطق التوتر، وهي مسألة فتحت بابًا واسعًا للتأويلات السياسية والعسكرية. فبينما يرى البعض أنها تأتي في إطار التدريبات المشتركة والتعاون الدفاعي، يعتبرها آخرون مؤشرًا على رفع مستويات الجاهزية والتنسيق الأمني بين الحلفاء العرب في مواجهة التحديات المتصاعدة.
ورغم غياب أي إعلان رسمي واضح بشأن طبيعة هذه التحركات، فإن الثابت تاريخيًا أن العقيدة العسكرية المصرية ترتكز على حماية الأمن القومي المصري والعربي، خصوصًا في الملفات المرتبطة بأمن البحر الأحمر، والممرات الاستراتيجية، ومجالات الأمن الحيوي للدولة المصرية.
كما أن وجود عناصر أو طيارين مصريين خارج الحدود إن ثبتت صحة بعض التقارير المتداولة – لا يعني بالضرورة الانخراط المباشر في عمليات قتالية، بقدر ما قد يعكس أدوارًا تتعلق بالدعم الفني أو التنسيق اللوجستي أو تبادل الخبرات العسكرية، وهي أمور أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومات التعاون الدفاعي الحديثة بين الدول.
لكن اللافت في المشهد ليس فقط طبيعة هذه التحركات وإنما أيضًا حجم الجدل الإعلامي المصاحب لها. فالحروب الحديثة لم تعد تُدار فقط عبر الجبهات العسكرية التقليدية، بل أصبحت "حروب المعلومات" إحدى أخطر أدوات الصراع، حيث يجري توظيف التسريبات والتقارير غير المؤكدة لصناعة رسائل سياسية ونفسية تتجاوز حدود الميدان.
وفي ظل هذا المناخ، تبدو زيارة السيسي إلى أبوظبي وكأنها تحمل عدة رسائل متزامنة؛ أولها التأكيد على متانة التحالف المصري الإماراتي، وثانيها أن القاهرة لا تزال لاعبًا محوريًا في معادلات الأمن الإقليمي، وثالثها أن المنطقة تدخل بالفعل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات وموازين القوة.
وربما لم يعد السؤال الحقيقي اليوم: هل هناك تنسيق عسكري متقدم بين القاهرة وأبوظبي؟ بل إلى أي مدى تستعد المنطقة لمرحلة تتغير فيها طبيعة الصراعات نفسها، من الحروب التقليدية إلى معارك النفوذ والتكنولوجيا والسيطرة على المجال الاستراتيجي؟
في الشرق الأوسط، كثير من التحركات الكبرى تبدأ بهدوء… ثم تكشف الأيام أنها كانت مقدمة لتحولات أعمق بكثير مما بدا على السطح.

