كشف أثرى بطريق الحج المصري القديم عبر ميناء عيذاب – دراسة تحليلية
كتب - د. عبد الرحيم ريحان
كشفت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، والعاملة بموقع ميناء عيذاب الأثري بمنطقة حلايب على ساحل البحر الأحمر، عن مجموعة من صهاريج المياه الضخمة، إلى جانب عدد من المباني والمنشآت الخدمية، في اكتشاف أثري جديد يُلقي الضوء على البنية التحتية لميناء عيذاب، أحد أبرز وأهم الموانئ المصرية خلال العصور الإسلامية.كما كشفت البعثة أيضًا عن بقايا أساسات مبانٍ سكنية وأبراج مراقبة ومنشآت خدمية، بما يشير إلى وجود منظومة متكاملة لإدارة الميناء وتلبية احتياجات الحجاج والتجار الذين توافدوا عليه عبر قرون طويلة.كما عُثر على مجموعة من اللقى الأثرية المهمة، من بينها كسر فخارية تعود إلى العصر الفاطمي، بعضها مطلي باللون الأخضر، إلى جانب شظايا من الخزف الصيني المستورد.
علاقات تجارية
كشفت البعثة عن قطع من الخزف الأخضر، يُرجَّح أنه سيلادون صيني أو تقليد له، وهو نوع من الخزف ارتبط بالبلاط الإمبراطوري الصيني، ويشبه لون اليشم الذي كان يُعد من أثمن المواد في الصين خلال عهد أسرة يوان.
وقد انتشر تقليد السيلادون الصيني في مصر خلال العصر المملوكي نتيجة التأثر بالمنتجات الخزفية الصينية في تلك الفترة، ويعود إعجاب الناس بهذا النوع إلى نقاء عجينته وجودته العالية، مما يفسر إقبالهم على شرائه في أسواق القاهرة والفسطاط.وقد عُثر على هذا النوع من الخزف أيضًا في الميناء المملوكي بطور سيناء، مما يؤكد وجود علاقات تجارية بين مصر والصين وبلدان جنوب شرق آسيا في تلك الفترة.
الأحجار المرجانية
دخل في بناء المباني المكتشفة بعيذاب نوع من الأحجار يُعرف بـ"الأحجار المرجانية"، وهي أحجار تكونت من مواد بحرية مثل القواقع والترسيبات البحرية، وتتميز بشكلها غير المنتظم مع صلابة عالية.وقد استخدمت هذه الأحجار في معظم المباني المطلة على البحر الأحمر في مصر، مثل ميناء الأنباط بدهب وميناء الطور المملوكي.
ميناء عيذاب
يقع ميناء عيذاب على ساحل البحر الأحمر ضمن أراضي الدولة المصرية، ويقابله من الغرب على النيل بلدة أبو سمبل، ومن جهة الشرق الجزيرة العربية عند بلدة رابغ شمال جدة، وعلى بعد نحو 130 كم منها.وقرب عيذاب تقع منطقة حميثرى، التي توفي فيها وَلِيُّ الله الشيخ أبو الحسن الشاذلي، قطب الطريقة الشاذلية، عام
(656هـ / 1258م)، أثناء سفره إلى الحج في طريقه إلى عيذاب، قرب الحد الفاصل بين مصر والسودان جنوب غرب الميناء وعلى بعد نحو 140 كم منه.وقد وُجدت بعيذاب آثار تعود إلى عصر البطالمة، من بينها تماثيل صغيرة عليها كتابات يونانية، وكان سكانها من قبائل البجة يبنون بيوتًا وعششًا لإيواء الحجاج. وكانت عيذاب المرسى الرئيسي لحجاج إفريقيا.وكانت المراكب القادمة من الشرق عبر البحر الأحمر تمر على عدن ثم عيذاب، حيث تُنقل البضائع بالجمال إلى قوص، ومنها إلى مدن وادي النيل حتى القاهرة.ومع تحوّل الحجاج المصريين إلى طريق طور سيناء للحج، تراجعت أهمية عيذاب تدريجيًا، حتى انتهى دورها بعد أن قضى عليها ملك النوبة داود عام (760هـ / 1358م).
عيذاب: ميناء تجاري وديني وحربي
كان موقع ميناء عيذاب مؤهلاً للقيام بوظائفه التجارية والدينية والسياسية والحربية، إذ سبقته موانئ تاريخية مثل ميوس هورمس (أبو شعر القبلي) وبرنيقة (الهراس) في العصر البطلمي.ويُفهم من ذلك أن هذه المنطقة تمتلك خصائص طبيعية جعلتها صالحة لقيام الموانئ على جانبي البحر الأحمر.أما الجانب الشرقي فقد شهد قيام ميناء الشعيبة على ساحل مكة قبل الإسلام، ثم ميناء جدة عام 26هـ في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.ويرجع السبب المباشر لقيام هذه الموانئ إلى سيادة الرياح الشمالية في النصف الشمالي من البحر الأحمر، والتي تهب طوال العام.وقد ارتبطت عيذاب بعلاقات تجارية مع ميناء جدة، خاصة بعد اتخاذ طريق عيذاب
جدة مسارًا لقوافل الحج القادمة من مصر. كما لعب الميناء دورًا مهمًا في التجارة العالمية العابرة بين الشرق والغرب في العصر الإسلامي، حيث كانت السفن القادمة من المحيط الهندي وشرق إفريقيا تتجه إليه، لتُنقل البضائع لاحقًا عبر مصر إلى البحر المتوسط.
ازدهار ميناء عيذاب
بدأ ازدهار عيذاب نتيجة عاملين رئيسيين: أولهما نشاط الصليبيين في بلاد الشام وتهديدهم لطرق القوافل عبر سيناء، مما دفع إلى تحويل مسار التجارة والحج إلى طريق عيذاب.وثانيهما ما شهدته مصر من اضطرابات اقتصادية في عهد المستنصر بالله، والتي أدت إلى تدهور دلتا النيل، فتحولت طرق القوافل القادمة من الغرب إلى عيذاب عبر قفط.وقد ظلت عيذاب مزدهرة نحو 215 عامًا، تؤدي دورًا محوريًا في خدمة التجارة والحج وكانت بمثابة مركز رئيسي لتجميع تجارة آسيا وشرق إفريقيا قبل انتقالها إلى حوض البحر المتوسط.كما تحولت إلى مركز لصناعة وبناء السفن الخشبية المستوردة لهذا الغرض.وفي العصر المملوكي، أصبحت عيذاب ميناءً تجاريًا عالميًا، حيث حرص السلاطين على حماية سفن تجار الكارم وتسهيل انتقالهم عبر مصر إلى قوص ثم القاهرة فالإسكندرية ومنها إلى أوروبا.كما لم تقتصر التجارة على ما يأتي من جدة، بل شملت أيضًا السفن القادمة من اليمن والمحيط الهندي، مع تخصيص أسطول بحري لحماية التجارة بين عيذاب وسواكن.
ميناء آمن من الخطر
امتاز موقع عيذاب بأنه مرفأ طبيعي صالح لرسو السفن وإقلاعها بأمان، مما جعله من أهم الموانئ التجارية على البحر الأحمر.وقد وصفه الرحالة الأندلسي ابن جبير عام (579هـ / 1183م) بأنه:"أحفل مراسي الدنيا، بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط فيها وتقلع منها، زائدًا عن مراكب الحجاج الصادرة والواردة".وأشار إلى كثافة الحركة التجارية، خاصة القوافل المحملة بسلع الهند، مثل التوابل، حتى خُيّل إليه من كثرتها أن الفلفل الأسود يساوي التراب في قيمته لكثرته.
تراجع عيذاب
بدأت أهمية عيذاب في التراجع بعد عام
(660هـ / 1261م)، مع بروز موانئ الطور والسويس حيث تحولت طرق التجارة إليها.وأصبحت قوافل الكارم البحرية تتجه من عدن إلى الطور أو السويس، ثم تُنقل برًا عبر سيناء إلى القاهرة، ومنها إلى الإسكندرية فإلى أوروبا.


