recent
أخبار ساخنة

حديث الجمعة ... الحلقة الأولى من برنامج : أخلاقيات ضاعت في زمن المادة

وليد رزق
الصفحة الرئيسية

حديث الجمعة ... الحلقة الأولى من برنامج : أخلاقيات ضاعت في زمن المادة




عنوان الحلقة : المروءة

كتبت  - منى منصور السيد

في زمنٍ تصارعت فيه الماديات، وتوارت خلف غباره قيمٌ كانت يومًا عماد البيوت وسكينة الطرقات، يبرز السؤال الملحّ عن تلك الجوهرة المفقودة التي أضعناها في زحام الحياة، ألا وهي أخلاق التعامل التي تتجسد في أبهى صورها من خلال المروءة؛ ذلك التاج غير المرئي الذي يضعه النبلاء على رؤوسهم، والفضيلة الجامعة التي تتجاوز مجرد الالتزام بالواجبات لتصل إلى عمق النفس وصناعة الإنسان الحق.

إننا اليوم لا نحتاج إلى مجرد قواعد سلوكية نلقنها للأبناء، بل نحتاج إلى بعثٍ جديد لروح الإنسانية التي 

لا تكتمل إلا بجميل الخُلُق، وهندسة النفس قبل الفعل. 

فالمروءة هي القوة الخفية التي تدفعنا لفعل الجميل وترك القبيح، إجلالًا للذات واحترامًا لإنسانيةٍ لا تقبل الدون.

وتبدأ حكايتها دائمًا من عتبة اللسان، فليس الكلام مجرد مخارج حروف، بل هو جسرٌ نعبر به نحو قلوب الآخرين والكلمة الطيبة التي قد تشح بها النفوس في عصر السرعة، هي ذاتها التي تفتح مغاليق الصدور وتزيل وحشة الغربة بين الناس.

إن المروءة في جوهرها هي الانتصار الدائم للقيم العليا على حساب النزعات العابرة، تظهر حين يغيب الرقيب ويحضر الضمير، فيعفّ الإنسان عن المغنم الذي لا يستحقه، ويترفع عن رد الإساءة بمثلها، ترفعًا لا عجزًا وهي في لغة التعاملات اليومية صدقٌ في الوعد، وصيانةٌ للسر، وحفظٌ للغيبة.

وهذا المفهوم الأصيل ليس مجرد فعلٍ بطولي يُحكى في الأساطير، بل هو التماس العذر لزلة الصديق، والسكوت عن عيبٍ لا يخصنا، وبذل المعروف دون انتظار ثناء.

وعندما نتأمل حال المجتمعات التي تسود فيها هذه الشيم، نجدها مجتمعات متماسكة يشدّ بعضها أزر بعض حيث يسود الأمان النفسي والاجتماعي، ويكون المرء أمانًا لجاره، وعزًّا لأصحابه، وسندًا لكل من تقطعت به السبل. فلا يمنّ بما أعطى، ولا يرى في نفسه فضلًا على من ساعد، بل يرى في قضاء حوائج الناس شرفًا يزينه بعيدًا عن الوجاهة الزائفة، أو افتقار آداب الاستماع وفن الاعتذار، الذي يُعد قمة الشجاعة النفسية لتنقية النفوس من رواسب الضغينة.

إن طريق العودة للأخلاق، واستعادة المروءة كضرورة حضارية، يبدأ بخطوة ذاتية عبر تربية النفس على أدبها ومراقبة الخواطر قبل الأفعال، ليكون المرء في خلوته كما هو في جلوته، نقيَّ السريرة، رفيع السمت.

وحين يدرك كل فرد أنه مرآة لمجتمعه، وأن صلاح الكل يبدأ من استقامة الجزء، تصبح أيامنا محطاتٍ للتزود بوقود القيم التي تنير لنا دروب التعامل في ليل المادية الموحش.

ولعلنا بهذا التمسك الراسخ بجميل الشمائل، من نظرة العين التي تفيض حياءً، إلى اليد التي تمتد بالعطاء دون ضجيج، نعيد بناء جسور المودة التي تهدمت، ونزرع في أرض القلوب وردًا لا يذبل بمرور السنين.

فما استعصت الأزمات على قومٍ تسلحوا بمكارم الأخلاق وجعلوا من “الإنسان” بوصلتهم الدائمة في كل قولٍ وفعل، لتظل المروءة دائمًا هي الحصن الحصين الذي يحمي كرامة البشر، ويحفظ للمجتمع هيبته وجماله الأصيل الذي لا تمحوه الأيام.

google-playkhamsatmostaqltradentX