وثيقة تؤكد الأهمية الاستراتيجية لعيذاب.. ميناء مصر لخدمة الحج والتجارة
كتب - د. عبد الرحيم ريحان
نكشف عن وثيقة مهمة للغاية أرسلها إلى حملة الدفاع عن الحضارة الأثري تامر العراقي، عضو البعثة الأثرية المكتشفة لميناء عيذاب.
الوثيقة تحمل الرقم (T-S NS 321.23)، وهي منشورة ضمن مشروع جامعة برينستون لتوثيق البرديات العربية، وتتضمن رسالة تعود إلى العصر الفاطمي أو الأيوبي من تاجر بميناء عيذاب المصري إلى أهله في الفسطاط، يطمئنهم فيها على سلامة وصوله إلى الميناء. وكان التاجر يعمل في التجارة البحرية مع سواحل الهند والجزيرة العربية، ويخبرهم بأنه لقي معاملة حسنة بالميناء، وسدد خمسة دنانير، يُرجح أنها كانت رسومًا جمركية.
لوحة شرف
كل الشكر والتقدير لأعضاء البعثة الأثرية صاحبة أحد أهم الاكتشافات الأثرية خلال عام 2026، لما يحمله من دلالات ثقافية وأثرية وتاريخية واستراتيجية، وهم:
الأستاذة إيمان حنفي، مدير عام المنطقة.
الأستاذ محمد أبو الوفا، رئيس البعثة.
الأثريون: تامر العراقي، وأيمن عادل، وأشرف كامل.
الإداري فتحي أبو المعاطي.
ويستحق أعضاء البعثة التكريم على هذا الكشف المتفرد.
طبيعة الكشف
يقع موقع الكشف الأثري على بعد 23 كم شمال حلايب، و17 كم جنوب قرية أبو رماد. وتمثل طبيعة الكشف الفرضة البحرية الخاصة بميناء عيذاب، وهي المنطقة الخدمية التابعة للميناء، وتشمل صهاريج المياه المخصصة لإمداد الحجاج ومكاتب إدارية، وسكنًا للعاملين، ومخازن للبضائع.
وقد استخدمت في البناء مواد محلية، منها الحجر الرملي والحجر المرجاني. وتتكون الأحجار المرجانية من بقايا القواقع والترسيبات البحرية ذات الأشكال غير المنتظمة، وقد استُخدمت في معظم المباني المطلة على البحر الأحمر في مصر، مثل ميناء الأنباط بدهب وميناء الطور المملوكي.
اللقى الأثرية
تشمل اللقى الأثرية المستخرجة من عيذاب كسرًا فخارية تعود إلى العصر الفاطمي (969-1171م)، ولا توجد مبانٍ أقدم من ذلك في المنطقة.
وقد زار الرحالة الفارسي ناصر خسرو عيذاب عام 1050م خلال العصر الفاطمي، وذكر أنها تابعة لسلطان مصر، ويسكنها نحو 500 شخص، وكانت تُحصّل فيها المكوس، أي الرسوم الجمركية، على البضائع الواردة من اليمن والحبشة وزنجبار.
كما عُثر على قطع من السيلادون الصيني، وهو نوع من الخزف ارتبط بالبلاط الإمبراطوري الصيني في عهد أسرة يوان. وانتشر تقليد السيلادون الصيني في مصر خلال العصر المملوكي، كما عُثر على هذا النوع من الخزف أيضًا في ميناء الطور بسيناء، مما يؤكد العلاقات التجارية بين مصر والصين وبلدان جنوب شرق آسيا خلال تلك الفترة.
أهمية الكشف
تكمن أهمية الكشف في الموقع الاستراتيجي لعيذاب داخل الحدود المصرية؛ إذ يقابلها من الغرب موقع أبو سمبل على النيل، ومن الشرق مدينة رابغ السعودية، التي تقع على بعد نحو 130 كم شمال جدة.
وبالقرب من عيذاب توفي أبو الحسن الشاذلي عام 1258م أثناء سفره إلى الحج عبر هذا الميناء، الذي كان المرسى الرئيسي لكل من أراد الحج من مصر وإفريقيا. كما كانت تستقبل السفن التجارية القادمة من عدن، حيث تُنقل البضائع بالجمال إلى قوص، ومنها عبر النيل إلى القاهرة.
وكانت لعيذاب أيضًا علاقات تجارية وثيقة مع ميناء جدة وظلت مشهورة لأكثر من 215 عامًا في خدمة التجارة والحج، إذ كانت تتجمع فيها تجارة آسيا وشرق إفريقيا قبل انتقالها إلى حوض البحر المتوسط. كما تحولت إلى مركز مهم لبناء وصناعة السفن من الأخشاب المستوردة لهذا الغرض.
حماية الحدود
اشتهرت عيذاب كذلك خلال العصر المملوكي، وكان بها أسطول تجاري، كما زُوّدت بالجند والسلاح لحماية الحدود الجنوبية الشرقية لمصر وتأمين طرق التجارة العابرة.
وزارها الرحالة الأندلسي ابن جبير عام 1183م، ووصفها بقوله: "أحفل مراسي الدنيا، بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط فيها وتقلع منها، علاوة على مراكب الحجاج الصادرة والواردة."
وقد بدأت أهمية عيذاب تتراجع بعد عام 660هـ/1261م حين بدأ ميناءا الطور والسويس يحلان محلها تدريجيًا.
توصيات
يُعد الموقع من المواقع البكر التي تحتاج إلى ما لا يقل عن 20 عامًا من أعمال التنقيب الأثري. كما تبرز ضرورة:
استكمال أعمال التنقيب بالموقع.
دراسة المكتشفات الأثرية دراسة علمية متخصصة.
إجراء مسوحات أثرية شاملة للمنطقة الممتدة من حلايب إلى شلاتين.
إنشاء مركز علمي متخصص للدراسات الأثرية.
تأسيس مكتبة كبرى بالموقع لدعم البحث العلمي.
الإسراع في نشر نتائج المكتشفات وفق المعايير العلمية المعتمدة.
وتؤكد هذه الوثيقة التاريخية، إلى جانب الشواهد الأثرية المكتشفة، المكانة الاستراتيجية لميناء عيذاب باعتباره أحد أهم الموانئ المصرية التاريخية التي لعبت دورًا محوريًا في خدمة الحج والتجارة، وربط مصر بشبكات التجارة العالمية عبر البحر الأحمر لقرون طويلة.


