أنا أكبر من انطباعك عني
بقلم : الإعلامية د . شيماء الشافعي
معظم البشر يقرأون العنوان، ثم يتحدثون وكأنهم عاشوا الرواية كاملة.
فنحن كالكتب؛ الغلاف المكنون بداخلنا لا يُرى، وفصولنا لا تُقرأ إلا لمن أراد أن يقرأها بصدق.
نحن لا نُشبه الصورة التي يراها الناس عنا، ولا تلك الأحكام السريعة التي تُقال في دقائق قليلة، ولا حتى الانطباعات الأولى التي يبنيها الآخرون من موقف عابر.
نحن مثل الكتب تمامًا،هناك من يكتفي بالنظر إلى الغلاف، وهناك من يقرأ المقدمة فقط، وهناك من يصدق النقاد دون أن يمنح نفسه فرصة لاكتشاف الحقيقة بنفسه.
أما المضمون، فنادرًا من يصل إليه.
فالغلاف ليس الحقيقة دائمًا.
فكم من إنسان يبدو قويًا، بينما هو من الداخل يحمل تعب سنوات طويلة.
وكم من شخص يضحك دائمًا، لكنه يخوض معارك صامتة لا يعلم عنها أحد شيئًا.
لقد اعتاد البشر الحكم على ما يظهر لهم فقط؛ من طريقة الكلام، والمظهر، وردود الأفعال، أو حتى صورة منشور على مواقع التواصل، بينما الحقيقة الإنسانية أعمق بكثير من كل ذلك.
فالإنسان ليس لقطة واحدة، بل تاريخ كامل من التجارب والخيبات، والأحلام، والانكسارات التي شكّلت روحه بهدوء.
المشكلة ليست في أن الناس لا تعرفك، بل المشكلة الحقيقية أن كثيرين يظنون أنهم عرفوك بالفعل، وهنا تبدأ المأساة الإنسانية.
يحكمون عليك من موقف واحد، أو كلمة واحدة، أو رواية نقلها شخص آخر، وكأنهم قرأوا كتابك كاملًا، بينما هم لم يلمسوا سوى الغلاف.
فالشخص الهادئ يصفه البعض بالغرور، بينما الحقيقة أنه تعب من شرح نفسه لمن لا يفهم.
والمرأة القوية يراها الناس باردة وصلبة، لكنهم لا يعرفون كم مرة أخفت ضعفها حتى لا تنهار أمام الحياة.
حتى الشخص المرح دائمًا، الذي يضحك كثيرًا، يظن الجميع أن حياته خفيفة، بينما هو ربما يضحك فقط حتى لا يسأل أحد عن حزنه.
فكل إنسان يحمل داخله فصولًا مخفية لا يراها الجميع، وهناك أوجاع لا تُقال، ومعارك لا تظهر على الوجه، وأسرار لا يعرفها إلا الله.
لذلك فإن الحكم السريع على البشر هو أحد أكثر أشكال الظلم هدوءًا.
الله وحده يعلم حقيقة القلوب كاملة، يعلم النوايا التي لم تُشرح، والدموع التي خُبئت خلف الابتسامات، والتعب الذي لم يره أحد.
أما البشر، فيرون جزءًا صغيرًا جدًا، ثم يبنون عليه حكمًا كاملًا.
فأجمل الناس ليسوا من ينبهرون بغلافك، بل من يحاولون قراءة روحك بصدق.
هم الذين يفهمون صمتك، ويشعرون بتعبك دون شرح، ويرون حقيقتك خلف كل الأقنعة التي فرضتها عليك الحياة.
هؤلاء لا يأتون كثيرًا، لكنهم حين يظهرون يجعلونك تشعر أنك مفهوم لأول مرة.
فليس مطلوبًا أن يفهمك الجميع، فحتى أعظم الكتب في التاريخ ساء فهمها الكثيرون.
المهم أن تبقى صادقًا مع نفسك، لا نسخةً مصطنعة ترضي نظرات الآخرين.
ومع الوقت ستدرك أن الذين أحبّوك حقًا لم يكونوا أكثر الناس فضولًا، بل أكثرهم عمقًا؛ لأن الأرواح الحقيقية لا تتوقف عند الغلاف أبدًا.
فنحن كالكتب، قد يمرّ علينا الكثيرون، لكن قليلين فقط يقرأون أرواحنا حتى النهاية.
