مكة وفيها جبال النور.. طالة على البيت المعمور والحج في التراث الشعبي
كتب - د. عبد الرحيم ريحان
الاحتفالات الشعبية المرتبطة برحلة الحجيج لها مفردات تراثية متعددة من أغانٍ وأمثال شعبية ورسومات تعبّر عن الحج، تستحق إعداد ملف لتسجيلها تراثًا لا ماديًا على القائمة التمثيلية باليونسكو، طبقًا لاتفاقية حماية وصون التراث غير المادي لعام 2003.
وعُرفت أغاني الحج وسُجلت في التراث الشعبي باسم «التحنين»، وهو فن يشبه «العديد» الذي يعبّر به المصريون عن حزنهم في حالات الوفاة والفقد. وأغاني الحج لا يُعرف أصحابها، لكن الأجيال توارثت كلماتها وألحانها، واشتهرت النساء بأدائها. وقد قُسمت إلى نوعين:
أغاني السفر والرحلة عند وداع الحجاج.
أغاني الاستقبال والفرحة بالقدوم لدى العودة إلى الديار.
وذكر ابن إياس في كتابه «بدائع الزهور» موكب الحج الذي خرجت فيه زوجة قايتباي سنة 880هـ/1475م، فقال: «وأمامها من الحداة أربعة»، والحُداة جمع حادٍ، وهو المغني. كما رصد بالكتاب رحلة خروج المحمل من الخرنفش بالقاهرة إلى مكة المكرمة، وكان المصريون يلتفون حول المحمل وهم يغنون:
«بيع اللحاف والطراحة.. حتى أرى ذي الرماحة..
بيع لي لحافي ذي المخمل.. حتى أرى شكل المحمل».
الأغاني
حفظت الذاكرة الشعبية مجموعة من الأغاني ما زالت تُغنّى حتى اليوم، ومنها:
«رايحة فين يا حاجة، يا أم الشال قطيفة
رايحة أزور النبي محمد والكعبة الشريفة».
وكذلك:
«رايحة فين يا حاجة، يا أم الشال سماوي
رايحة أزور النبي محمد، وارجع على القناوي».
وسيدي عبد الرحيم القناوي مشهور بمحافظة قنا. ومن الأغاني أيضًا:
«يا نبي يا نبي، يا ما ليك أحبة
هملوا عيالهم يا نبي، وجولك محبة».
ومن أشهر أغاني الحج التي لا تزال تُغنّى حتى الآن، وتنافس في شهرتها الأغنية الشهيرة للراحلة ليلى مراد «يا رايحين للنبي الغالي»، تلك الأغنية ذات النغمة الثابتة التي تؤديها النسوة العجائز تقربًا إلى الله بطريقتهن الخاصة:
«بعيدة بعيدة ونفسي أزور
وأمسح بإيدي شباكه الكريم
وأكحل عيوني بنور البشير
بعيدة بعيدة يا أرض الحبيب
وإن عطاني ربي لأروح لك سعيدة
يا بدر ويا نور».
ويصاحب الأغاني الدف، أما أداء الرجال فكان يعتمد على الموال والمزمار البلدي والربابة:
«يا اللي على الحج ناوي
وزيارة طه نبينا
بلغه مني سلامي
وقل له مشتاق بيحبك
وحبك يا نبينا الغالي
حرّم عليَّ منامي».
ومنها تلك الأغنية التي تقول فيها الحاجة محفوظة ياسين من الأقصر:
«بعيدة بعيدة يا بلاد الرسول
بعيد بعيد يا طريق النبي
بعيدة بعيدة ونفسي أزور
وأمسح بإيدي شباكه الكريم
وأكحل عيوني بنور البشير
بعيدة بعيدة يا أرض الحبيب».
ومن أشهر الرجال الذين كانوا يؤدون الأغاني التراثية للحج بمنازل الحجاج جابر الحلاوي – رحمه الله – وكان يقيم بمنطقة الحسامية بقوص. ومن أجمل المقاطع الغنائية التي كان يؤديها مقطع يقدّم التهنئة للحاج، فيقول فيه:
«هنيالك يا حاج مكتوبالك يا حاج
مكتوبة لك حجة هنية
حجة بباخرة ومعدية
وحبايب جاتك بالمية».
ويتابع:
«هنيالك يا حاج مكتوبة لك يا حاج
مكتوب لك حج الرسول
مكتوبة بالخيط اللولي
يا إخواتي عنده ادعولي».
ومن الأغاني أيضًا:
«يا رايحين للنبي الغالي، هنية لكم وعقبالي
يا راحلين إلى منى سرتم وسار دليلكم
مني السلام مع التحية
بلغوا شوقي الشديد للنبي الهادي».
ومن الأغاني الخاصة بالنساء:
«حاجة يا حاجة ما تمدي يداك
أوعى تخافي يا حاجة، ده النبي دعاك».
ولعودة الحاج في الموروث الشعبي أهازيج مختلفة، مثل:
«سالمة يا سلامة، والحاج رجع بالسلامة».
وأغنية «طريق النبي»:
«في طريق النبي جنينة رشوها
بنوها الحبايب والله لفاطمة وأبوها».
وكذلك:
«في طريق النبي جنينة ورقها
تقعد فيها الزوار وتمسح عرقها».
وعن بئر زمزم قالوا:
«يا بير زمزم سلبك حريري
والشربة منك دوا للعليلي».
ومن أغاني العودة:
«عدّوا البحور عدّوا
وجابوا الكساوي
من بلاد جدة
وجابوا الكساوي».
ومن الأغاني الشهيرة أيضًا:
«يا فاطمة يا فاطمة يا بنت نبينا
افتحي البوابة يا فاطمة أبوكي داعينا».
«القلب يعشق كل جميل»
بعد بث الإذاعة المصرية أغنية أم كلثوم «القلب يعشق كل جميل»، التي غنتها في 3 فبراير 1971، من تأليف بيرم التونسي وألحان رياض السنباطي، أصبحت أيقونة الغناء في سفر وعودة الحجيج. وتصف كلمات الأغنية رحلة الحج بالتفصيل، ومنها:
«مكة وفيها جبال النور
طالة على البيت المعمور
عمر قلوبنا السلام
بعفو رب غفور».
أمثال شعبية
ارتبط الحج بأمثال شعبية عديدة، مثل:
«حَجّ وجَبْر»؛ أي يتقبل الله حجكم ويجبركم، أي يثيبكم ويعوضكم عن الذنوب والسيئات.
«اللي ما يلحق الحج يدرمغ في ترابه»؛ أي يكفيه أن يصيبه الغبار المتصاعد من طريق الحجيج.
«كلها يوم وليلة وييجي الحج الرميلة»؛ والرميلة منطقة كانت محطة لاستقبال الحجيج وتوديعهم قديمًا.
«اللي تولد في مكة يجيب أخبارها الحجاج»، وذلك لبعد المسافة قديمًا، حيث كانت أخبار مكة لا تصل إلا عبر الحجاج.
تجميل المنازل
تحظى رحلة الحجاج بتراث شعبي مميز في قرى ونجوع الأقصر وكل بقاع مصر، حيث يتسابق الخطاطون والرسامون لتجميل واجهات منازل الحجاج بالرسومات والكلمات الدينية التي تعبّر عن موسم الحج، لتدوين تلك الرحلة للحاج الذي يشاهدها عند عودته.
ومن أشهر الفنانين الفنان أحمد الطيب النجار بالبر الغربي والشاذلي السنوسي بمدينة الأقصر، وغيرهما من فناني الرسم والنقش على منازل الحجاج.
ويرسم الفنان أحمد الطيب، ابن مدينة القرنة، رحلات الحجاج منذ عام 1984، ويزين المنازل بالنقوش والرسومات المعبرة عن موسم الحج، وكتابة آيات قرآنية وأحاديث نبوية مثل:
«ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة»
و«من زار قبري وجبت له شفاعتي»،
إلى جانب رسومات الكعبة المشرفة وجبل عرفات، وربما تفاصيل الرحلة كاملة بحسب طلب أسرة الحاج.
الاحتفالات
تختلف الاحتفالات باختلاف المستويات الاجتماعية والثقافية والإمكانات المادية؛ فالبعض يصطحب فرقة موسيقية تزف الحاج بالطبل والمزامير والزغاريد، وآخرون يحملون لافتات كبيرة مكتوبًا عليها عبارات دينية أو «حمد الله على السلامة».
وعقب انتهاء مظاهر الاحتفال تبدأ مراسم استقبال الضيوف والمهنئين بالمنزل، وتقام الولائم والاحتفالات التي قد تستمر أسبوعًا كاملًا. كما يحرص البعض على تزيين المنازل وكتابة بعض الآيات القرآنية الخاصة بالحج، واسم الحاج أو الحاجة والسنة التي أدى فيها الفريضة، مع رسومات للكعبة المشرفة.
ومن العادات الاجتماعية المرتبطة بالحج جلب الهدايا للأهل والأقارب والمعارف.
وفي بعض القرى، عندما ينوي أحد الأفراد الخروج للحج، يمر على بيوت القرية طالبًا السماح إن كان قد أخطأ في حق أحد حتى يخرج للحج وقلبه خالٍ من الخصومات.
كما ينتهي توديع الحجاج في الوادي الجديد خارج القرية بمسافة قصيرة، وسط الأغاني والطبل والزغاريد.
وفي بعض المجتمعات، مثل الوادي الجديد وبعض قرى محافظة سوهاج، ومنها دار السلام والخلافية وقرى مركز جرجا، يقدم الأهالي للحاج «النقوط»، وهو مساهمة مالية للمساعدة في نفقات الحج، ويقوم الحاج عند عودته بإحضار هدية رمزية لهم.


