recent
أخبار ساخنة

سيناء .. معبر الحجاج إلى البقاع المقدسة

سيناء .. معبر الحجاج إلى البقاع المقدسة



كتب - د. عبد الرحيم ريحان

يُعد طريق الحج المصري القديم عبر سيناء منظومة حضارية متكاملة داخل مجتمع متنقل، حيث يقود القافلةَ أميرُ الحاج، وهو القائد العام للركب بأكمله. وكانت مهمته اختيار زمن التحرك، وسلوك أوضح الطرق، وتنظيم الركب أثناء المسير والنزول، وتأمين الحراسة، ومواجهة من يتعرض للقافلة. ومن أشهر أمراء الحج الأمير سلار نائب السلطنة، الذي تولى إمارة الحج عام 703هـ، وعُرف بفضائله العديدة حتى عمّ الخير، فكان الناس يدعون له قائلين: «يا سلار، كفاك الله شر النار».

حكومة مصغرة ترافق الحجيج

كانت هناك حكومة مصغرة ترافق موكب الحجيج، تضم ممثلًا للسلطة العسكرية وهو أمير الحاج، وممثلًا للسلطة القضائية وهو قاضي المحمل، إضافة إلى وزارة التموين ممثلة في شاد المخازن والكيلار (القباني)، المسؤولين عن التوزيع العادل للمؤن طوال الرحلة.

كما ضم الموكب مشرفين على ملء المياه وتوزيعها، ونظافة الأوعية الجلدية التي تُحفظ فيها المياه، مثل شاد السقائين، ومهتار الشراب خانة، ومهتار الطشت خانة، إلى جانب المشرفين على إعداد الطعام، مثل شاد المطبخ والطباخين.

ورافقت القافلة أيضًا وزارة صحة متنقلة تضم طبيبًا وجراحًا (الجرائحي)، وطبيب عيون، وبعض الأدوية، فضلًا عن الرعاية البيطرية، حيث كان هناك شخص يُعرف بـ«أميراخور» يتولى متابعة الدواب وحالتها الصحية ويعاونه طبيب بيطري.



ومن الوظائف المهمة كذلك «مقدم الضوئية»، وهو قائد حاملي المشاعل التي كانت تُوقد بالزيت أو الخشب، إضافة إلى مقدم الهجانة المشرف على أكسية الجمال المزينة، حفاظًا على المظهر الجمالي للقافلة أثناء السير.

وضمت القافلة الشعراء، والميقاتي المسؤول عن تحديد مواقيت الصلاة، والمؤذن، إلى جانب أصحاب المهن الصغيرة كالخباز، والنجار، ومغسلي الموتى.

أول وكالة أنباء في التاريخ

كما كان هناك رجل إعلام يرافق موكب الحجيج، يمكن اعتباره أول وكالة أنباء في التاريخ، إذ كان مكلفًا بتدوين أخبار الرحلة، وما يواجهها من صعوبات ومشكلات، وعدد الوفيات، وهو أول من يسرع إلى الحاكم بعد عودة الحجاج سالمين، ليقدم تقريرًا كاملًا عن الرحلة.

ولم تخلُ الرحلة من المشاعر الروحية الفياضة، فقد كان الشعراء يرافقون الموكب، يترنمون بالأشعار الدينية وسط أجواء البادية الممتدة، التي تمنحهم الخيال الخصب، وكأن الكعبة المشرفة تلوح أمامهم طوال الطريق، تنادي على عمارها، فيلبون النداء: «لبيك اللهم لبيك».

بداية الموكب

كان هناك طريق للحج عبر وسط سيناء استُخدم منذ بداية العصر الإسلامي، ومرّ بثلاث مراحل زمنية. وقد امتدت المرحلة المبكرة من الفتح الإسلامي حتى أواخر الحكم الفاطمي، وكانت منطقة «جب عميرة» (بركة الحاج) بداية هذا الطريق في جميع مراحله.

وكانت الرحلة من العاصمة إلى عقبة أيلة تستغرق تسعة أيام، مقسمة إلى ثلاث مراحل متساوية، طول كل منها ثلاثة أيام.

ومنذ عام 675هـ، في عهد الظاهر بيبرس، كان المحمل يدور بالقاهرة دورتين؛ الأولى في شهر رجب إعلانًا لأمان الطريق لمن أراد الحج، والثانية في شوال، حيث يبدأ الموكب من باب النصر، ويخرج الناس لمشاهدة المحمل الشريف.

وتبدأ رحلة الحجاج من بركة الحاج، وهو موقع لا يزال يحمل الاسم نفسه في القاهرة الكبرى حتى اليوم. وكانت القافلة تتزود بما يلزمها من الطعام والمياه، بما يكفيها حتى الوصول إلى عجرود للتزود مجددًا بالمياه.

وقد تميزت عجرود بقربها من القلزم (السويس)، ما جعلها سوقًا مهمًا لقوافل الحج، كما ارتبطت بمدينة بلبيس عبر وادي الجفرة، وهو ما منحها موقعًا استراتيجيًا على الطريق الواصل بين بلبيس وشرق الدلتا من جهة، وموانئ مصر على رأس خليج السويس من جهة أخرى.

وكانت تمر بها القوافل العربية التي احترفت نقل الغلال من شرق الدلتا إلى موانئ التصدير، كما كان يفد إليها التجار للاستفادة من مرور قافلة الحج سنويًا.

المحطات عبر وسط سيناء

كانت القوافل تتجه من عجرود إلى السويس، ثم جنوبًا بمحاذاة ساحل خليج السويس حتى تصل إلى عيون موسى للتزود بمياهها العذبة الغزيرة نسبيًا، ومنها إلى وادي صدر (سدر)، ثم تصعد في بطن الوادي إلى أعاليه حيث عين صدر.

بعد ذلك تعبر القافلة سطح هضبة التيه، ثم تجتاز الروافد العرضية المتصلة بوادي العريش وصولًا إلى نخل. وقد تميز هذا الطريق بقلة الكثبان الرملية وضيق نطاقها، ما سهّل حركة السير فيه.

ثم تستكمل القافلة طريقها إلى نخل وعقبة أيلة، وهي المرحلة الأخيرة داخل الحدود المصرية، حيث تعبر باقي هضبة التيه في قسمها الشرقي، مستفيدة من الأودية الفرعية لوادي العريش كمسارات عرضية، وكمواقع تتوافر بها بعض المياه الجوفية.

وقد منحت هذه الموارد المائية محطات الطريق أسماءها، مثل بئر الثمد وبئر القريص، وصولًا إلى رأس النقب، ثم دبة البغلة، فسطح العقبة، ومنها إلى الأراضي الحجازية حتى مكة المكرمة.

الموكب والعلم المصري

تراوح عدد الحجاج الذين كانوا يعبرون سيناء بين 50 ألفًا و300 ألف حاج، وهو ما يعكس حجم النشاط الذي شهدته سيناء، واهتمام السلاطين المماليك بشؤونها.

وكان العلم المصري يرفرف فوق المحمل في عهد المماليك، وكان لونه أصفر، كما قُدرت قيمة الكسوة المرسلة سنويًا من مصر بثلاثمائة دينار.

وفي عهد الناصر محمد بن قلاوون، خلال فترته الثانية (698-708هـ / 1299-1309م)، قام الأمير ملك الجوكندار بإقامة صهاريج وآبار بطول الطريق، كما أنشأ خانًا للمسافرين وبئرًا وساقية بعجرود، وفجّر ينبوعًا في نخل.

أما في عهد قانصوه الغوري (906-922هـ / 1501-1516م)، فقد جرى ترميم منشآت الناصر محمد، وتجديد الخان والبئر والساقية بعجرود، وبناء أحواض لسقي الحجاج ودوابهم، وتمهيد طريق الحج كما ورد في النص الخاص بمنطقة دبة البغلة، إضافة إلى إنشاء قلعة نخل وقلعة العقبة لراحة الحجاج.



وكانت قافلة الحجيج تغادر مصر وفق ترتيب محدد؛ فيتقدم الرسميون، ثم الأعيان، ثم الحجاج، بينما توضع الأموال والمؤن والنساء والبضائع الثمينة في وسط القافلة، ويتبعها الحجاج العاديون.

وقد خُصص لرئيس المحمل مرتب بلغ 18 ألف دينار وألف أردب من القمح، وأربعة آلاف أردب من الفول، وكان يرافق أمير الحاج عدد كبير من الموظفين والخدم والحاشية.

وكانت سوق التجارة في مكة أعظم أسواق العالم خلال الأيام العشرة التي يقضيها الحجاج في المدينة المقدسة حيث كان حجم تجارة الهند ومنتجات الشرق يُقدر بملايين الدنانير، وكانت هذه البضائع تُنقل مع المحمل

 أو تُرسل مباشرة إلى جدة، ومنها إلى السويس.

أما جدة، فكانت الميناء الذي تتجمع فيه غلال مصر وخضرواتها، وتجارة الهند، والقهوة اليمنية.

google-playkhamsatmostaqltradentX