recent
أخبار ساخنة

حق فاطمة في الحياة بلا ألم.. صرخة استغاثة تضع المنظومة الطبية والإنسانية أمام مسؤولياتها

حق فاطمة في الحياة بلا ألم.. صرخة استغاثة تضع المنظومة الطبية والإنسانية أمام مسؤولياتها



كتبت - منى منصور السيد

"مشكلتي مشكلة ناس كتير من ذوي الهمم.. اتولدت طفلة بريئة، دخلت المستشفى وبدأت رحلة معاناة مع أكتر من 25 عملية في المخ والنخاع الشوكي والعمود الفقري والقدم والمفاصل. حياتي مليانة وجع وألم.. عبارة عن دكاترة ومستشفيات وأوضة عمليات ورعب كبير. ولما بدأت أخرج للدنيا، جاتلي قرحة. روحت لأكتر من دكتور وعملت عمليات تنظيف وخياطة وغيارات، ولسه مفيش علاج. هو الطب في مصر وقف على إنكم تتعلموا في الناس؟! المفصل اتخلع ومحتاجة عملية، لكن القرحة ملهاش علاج. عندي أم بالدنيا تعبت معايا كتير. نداء لوزير الصحة ووزيرة التضامن ورئيس الجمهورية: ياريت يكون لينا علاج، ياريت الدكاترة متجربش فينا. من حقي أتعالج، ومن حق ذوي الهمم يعيشوا من غير ما يتألموا."

— فاطمة وليد، مبادرة "أنا المبدع"

تختزل كلمات الابنة فاطمة وليد مأساة إنسانية، وقصورًا مؤسسيًا يتجاوز مجرد الحالة المرضية الفردية؛ إذ تفتح ملفًا شائكًا حول جودة الرعاية الطبية المقدمة لذوي الهمم في مصر، ومدى توفر التخصصات الدقيقة القادرة على التعامل مع حالاتهم المعقدة، دون تحويل أجسادهم إلى ساحات للتجارب أو التعلم.

تكشف الحالة عن فجوات جوهرية في التعامل مع ملف ذوي الإعاقة الحركية والمتعددة، تبدأ من غياب التخصصات البينية؛ حيث تحتاج مثل هذه الحالات 

 التي خضعت لعشرات العمليات في المخ والأعصاب والعمود الفقري — إلى فريق طبي متكامل. كما أن ما تعانيه فاطمة من قرحة مزمنة تعيق إجراء جراحة المفصل، هو نتيجة تداخل معقد بين ضعف التروية الدموية، ونقص الحركة، والآثار الجانبية للعمليات السابقة، وهو ما لا يمكن لطبيب واحد — سواء عظام أو تجميل — التعامل معه بشكل منفرد.

وتبرز كذلك أزمة الطب التجريبي وغياب البروتوكولات الواضحة؛ إذ تشير شكوى فاطمة من "التعلم في البشر" إلى غياب مسارات علاجية معتمدة للتعامل مع المضاعفات النادرة. وحين يتحول التدخل الجراحي إلى محاولات "خطأ وصواب" متكررة، يفقد المريض ثقته في المنظومة، ويتضاعف العبء الجسدي والنفسي عليه.

وفي المقابل، لم تعد القرح المزمنة لدى ذوي الهمم مستعصية عالميًا، في ظل تطور تقنيات مثل العلاج بالأكسجين تحت الضغط، والترقيع الجلدي المتقدم وعلاجات التحفيز الحيوي. وهنا يظل التساؤل قائمًا: لماذا لا تتوفر هذه التقنيات بشكل ميسر ومجاني، تحت مظلة التأمين الصحي الشامل أو قرارات العلاج على نفقة الدولة؟

إن مساعدة فاطمة، وغيرها من أبطال مبادرة "أنا المبدع"، تتطلب تحركًا عاجلًا على مسارين:

أولًا: المسار المؤسسي

من خلال تشكيل لجنة استشارية عليا تضم كبار أساتذة جراحة التجميل المتخصصين في القرح المزمنة، وجراحة العظام، لفحص الحالة ووضع خطة علاجية نهائية تنقذها من دوامة العمليات غير المجدية. إلى جانب دور وزارة الصحة، يجب أن تضطلع وزارة التضامن الاجتماعي بتوفير الدعم النفسي واللوجستي للأسرة، وتوفير الأجهزة التعويضية والمستلزمات الطبية عالية الجودة التي تحدّ من تدهور الحالة.

ثانيًا: المسار المجتمعي والطبي

عبر تبني المؤسسات الطبية الكبرى والمستشفيات الجامعية لمبادرة "أنا المبدع"، لتكون مظلة علاجية حقيقية تحتضن هذه الحالات، وتوفر لها "مسارًا أخضر" سريعًا بعيدًا عن التعقيدات البيروقراطية. كما تبرز أهمية تدريب الأطباء — خاصة في بداياتهم — على سيكولوجية التعامل مع ذوي الهمم، وتقدير هشاشة أوضاعهم الصحية، بحيث لا يُتخذ أي قرار جراحي إلا وفق يقين علمي كامل.

في النهاية، فإن صرخة فاطمة وليد ليست مجرد طلب للمساعدة، بل إعلان صريح عن حق أصيل في الوصول إلى علاج حقيقي؛ طبٍّ يداوي ولا يجرح، ويمنح الأمل بدلًا من الألم.

إن واجبنا — كإعلاميين ومتخصصين — هو إيصال هذا الصوت إلى كل صاحب قرار، حتى تكون العملية القادمة لفاطمة بوابةً للحياة، لا فصلًا جديدًا من فصول المعاناة.

google-playkhamsatmostaqltradentX