recent
أخبار ساخنة

د . ناصر السلاموني ... يكتب - الشرق الأوسط على حافة التحول

 الشرق الأوسط على حافة التحول



بقلم : د . ناصر السلاموني

رئيس الاتحاد الدولي للصحافة العربية 

لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة لصراعات تقليدية يمكن تفسيرها في إطار ثنائي بسيط، بل يقف اليوم على أعتاب تحول استراتيجي عميق قد يعيد تشكيل ملامحه لعقود قادمة. فالمشهد الراهن يكشف عن تداخل معقد بين العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية، في ظل نظام دولي يتجه تدريجيًا نحو التعددية القطبية، بما يفرض واقعًا جديدًا على توازنات القوى في المنطقة.

تعود جذور هذا المشهد إلى تاريخ طويل من التوترات المتراكمة، حيث تشكلت عبر العقود حالة من الصراع غير المباشر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، اتخذت أشكالًا متعددة، من العقوبات الاقتصادية إلى المواجهات غير التقليدية عبر ساحات إقليمية مختلفة. وقد أسهمت التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة منذ منتصف القرن الماضي في ترسيخ حالة الاستقطاب، لتصبح واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية واضطرابًا.

وفي قلب هذا الصراع، يبرز العامل الاقتصادي، وتحديدًا ملف الطاقة، كأحد أبرز محركات التوتر. فالممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، تمثل شريانًا أساسيًا لتدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيها ذا تأثير مباشر على الاقتصاد الدولي. وقد انعكس ذلك في تصاعد التوترات المرتبطة بتأمين هذه الممرات، في ظل تنافس دولي متزايد على النفوذ والسيطرة.

بالتوازي مع ذلك، تشهد المنطقة إعادة تشكيل واضحة في خريطة التحالفات، حيث تتبلور محاور رئيسية، يقود أحدها التحالف الأمريكي الإسرائيلي، في مقابل محور تقوده إيران وحلفاؤها، بينما تتحرك قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين في إطار موازنة النفوذ دون انخراط مباشر واسع. أما الموقف الأوروبي، فيميل إلى الدعم السياسي والدبلوماسي، مع الحرص على تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.

وعلى المستوى العربي، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا، إذ تتباين المواقف بين دول ترى في السياسات الإيرانية مصدرًا رئيسيًا للتصعيد، وأخرى تتبنى نهجًا أكثر حذرًا يسعى إلى تحقيق التوازن وتجنب الانخراط في صراعات المحاور، إدراكًا لحجم المخاطر التي قد تهدد الأمن القومي العربي واستقرار المنطقة بأسرها.

ولا يمكن إغفال تأثير الداخل الأمريكي في مسار الأحداث، حيث يظل قرار التصعيد العسكري محكومًا بتوازنات دقيقة بين المؤسسات السياسية، وضغوط الرأي العام، وتجارب الحروب السابقة، وهو ما يفرض قيودًا على صانع القرار، ويجعل أي تحرك عسكري واسع محل حسابات معقدة.

في المقابل، برزت ساحة جديدة للصراع لا تقل أهمية عن الميدان العسكري، تتمثل في "حرب الروايات". فقد أصبح الإعلام أداة استراتيجية تستخدم لتوجيه الرأي العام وصياغة التصورات، في ظل تدفق كثيف للمعلومات والأخبار المتضاربة، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والتضليل تحديًا متزايدًا. ومن هنا تبرز الحاجة إلى خطاب إعلامي عربي مهني، قادر على تقديم رواية متوازنة تعكس الواقع بعيدًا عن المبالغة أو الانتقائية.

أما على الأرض، فتشير المؤشرات إلى تصاعد ملحوظ في مستوى التوتر، من خلال عمليات غير مباشرة، وإعادة تموضع عسكري، وارتفاع وتيرة التحذيرات المتبادلة، وهو ما يعكس حالة من الاستنفار المستمر، قد تنذر باتساع رقعة المواجهة إذا ما انهارت قواعد الردع القائمة.

وفي ظل هذه المعطيات، يقف الاقتصاد العالمي في دائرة التأثر المباشر، حيث تؤدي أي اضطرابات في المنطقة إلى تقلبات حادة في أسعار الطاقة، وإلى زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق الدولية، وهو ما ينعكس بشكل أكبر على الدول المستوردة للطاقة، ويزيد من الضغوط الاقتصادية على الشعوب.


في المحصلة، لا يقف الشرق الأوسط اليوم فقط على حافة تحول، بل أمام اختبار تاريخي حقيقي، تتقاطع فيه المصالح وتتصادم فيه الإرادات. وبين مساعي الاحتواء ومخاطر الانفجار، يظل الخيار الأكثر عقلانية هو العودة إلى مسار التهدئة والحلول السياسية، قبل أن تنزلق المنطقة إلى صراع مفتوح قد يعيد رسم خريطتها بالكامل، ويترك آثارًا يصعب احتواؤها لسنوات طويلة قادمة.

google-playkhamsatmostaqltradentX