دماء فوق الكراسات : مدرسة بحر البقر وعقيدة "الأرض المحروقة" الإسرائيلية
كتبت - منى منصور السيد
لم تكن مجزرة مدرسة بحر البقر، في الثامن من أبريل عام 1970، مجرد خطأ استخباراتي كما حاول إعلام الاحتلال الترويج له آنذاك، بل كانت تجسيدًا عسكريًا لسياسة الردع بالرعب التي انتهجتها إسرائيل خلال حرب الاستنزاف، ومحاولة سياسية لكسر إرادة الجبهة الداخلية المصرية.
في مطلع عام 1970، وسّعت إسرائيل نطاق عملياتها الجوية لتشمل العمق المصري عبر ما عُرف بـ"عمليات بريها". وكان الهدف العسكري المُعلن هو ضرب الأهداف الحيوية لإجبار القيادة المصرية على قبول وقف إطلاق النار بشروط إسرائيلية. ويعكس اختيار طائرات "الفانتوم" (F-4 Phantom II)، التي كانت تُعد الأحدث في الترسانة الأمريكية آنذاك، نية إحداث قوة تدميرية هائلة. كما أن استخدام خمس قنابل وصاروخين لضرب منشأة تعليمية بسيطة مكوّنة من طابق واحد، يوضح أن الهدف لم يكن تحييد منشأة، بل محوها تمامًا، وهو ما يُصنَّف عسكريًا ضمن استراتيجيات الإبادة الموضعية ذات التأثير النفسي.
سياسيًا، جاءت الضربة في وقت كانت فيه مصر تعيد بناء حائط الصواريخ وتستعد لنقلة نوعية في قدرات الدفاع الجوي. وقد حاولت تل أبيب، من خلال استهداف قرية ريفية مثل بحر البقر، توجيه رسالة إلى الفلاح والعامل المصري مفادها أنهم قادرون على الوصول إلى الأبناء داخل فصولهم. إلا أن الرهان الإسرائيلي على إحداث شرخ بين القيادة السياسية والشعب جاء بنتائج عكسية تمامًا، إذ تحولت دماء الأطفال إلى وقود وطني زاد من إصرار المصريين على دعم المجهود الحربي، كما واجهت إسرائيل انتقادات دولية لاذعة أربكت حلفاءها.
وقد تذرع الاحتلال بأن المدرسة كانت قاعدة تدريب عسكرية، وهو ادعاء يسقط أمام أبسط قواعد التحليل العسكري؛ فالمدرسة تقع في منطقة مفتوحة، ورصدها من الجو يُظهر بوضوح طبيعة النشاط المدني بها. لذلك يجمع المحللون العسكريون على أن الضربة كانت جريمة مقصودة، تهدف إلى اختبار رد الفعل السوفييتي، وجرّ القوات الجوية المصرية إلى مواجهة غير متكافئة في العمق، بعيدًا عن غطاء الدفاع الجوي.
عسكريًا، شكّلت مأساة بحر البقر دافعًا رئيسيًا لتسريع استكمال حائط الصواريخ المصري؛ فقد أدركت القيادة العسكرية أن العمق يمثل خاصرة رخوة، وهو ما استدعى تعزيز منظومة الدفاع الجوي بشكل عاجل. وجاء الرد في ما عُرف بـ"أسبوع تساقط الفانتوم" في يونيو 1970 ليؤكد أن دماء أطفال الشرقية لم تذهب سدى، بل كانت الشرارة التي دفعت نحو تغيير موازين القوى، وأجبرت العدو على التراجع خلف خط القناة، ممهدةً الطريق لنصر أكتوبر 1973.
وتظل هذه المجزرة رمزًا خالدًا للتضحية، وتذكيرًا دائمًا بضريبة الصمود التي دفعها الشعب المصري، وأطفاله، في سبيل استعادة أرضه وكرامته.
