إطلالة تاريخية على أسبوع الآلام " البصخة "
كتب ـ د. عبد الرحيم ريحان
بمناسبة أحد الشعانين اليوم وبداية إسبوع الآلام تنفرد حملة الدفاع عن الحضارة المصرية برئاسة الدكتور عبد الرحيم ريحان بإطلالة تاريخية على موضوع من أهم الموضوعات العقائدية الطقسية فى الكنيسة المسيحية يتعلق برسالة المسيحية وغايتها ويمثل أقدس مناسبة دينية لها وهو "أسبوع الألام " والذى أهداها للحملة الدكتور شكرى يوسف شكرى كيرلس دكتوراه فى الآثار والفنون القبطية بمعهد الدراسات والبحوث القبطية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية.
يكون الاحتفال به فى الأسبوع السابق لعيد القيامة المجيد ورتبت الكنيسة موضعه عقب انتهاء صوم الأربعين المقدسة ويسمى أسبوع الآلام المقدسة أو أسبوع البصخة Pascha أو أسبوع الفصح ومصطلحى " بصخة " و"فصح " هما مصطلحين أراميين يفيدان معنى "عبور " وتعنى العبور من آلام الصليب إلى أفراح القيامة .
أشار أباء الكنيسة الأولى وتلاميذ الرسل مثل إيرنيئوس أسقف ليون (130 – 200م ) Irenaeus والعلامة ترتيليان (160- 225م) Tertullianus لاهوتى الكنيسة اللاتينية إلى الاحتفال بالبصخة فى يومى الجمعة الكبيرة وسبت النور السابقين لأحد القيامة أما المصدر " التقليد الرسولى " الكتاب التعليمى الأول فى الكنيسة القبطية فى عصرها الأول فيشير إلى أن الكنائس المسيحية وبخاصة كنيستى الإسكندرية وفلسطين كانتا تحتفلان بالبصخة يوم سبت النور.
غير أن الرسائل الفصحية لأساقفة الكنيسة المصرية القبطية أثبتت أن كنيستنا القبطية كانت تحتفظ بطقس أسبوع الألام منذ فترة تاريخية مبكرة من تاريخها وأشارت إليها رسالة البطريرك ديونسيوس السكندرى ( 248- 265م) Dionesius of Alexandria التى أرسلها إلى باسيليدس Basilides أسقف أقليم بنتابوليس Pentapolis بشرق ليبيا فى منتصف القرن الثالث الميلادى، حيث قرر أن كنيسة الإسكندرية تحتفظ بهذا التقليد وتمارس الصيام الانقطاعى فيه وبخاصة صيام يومى الجمعة والسبت منه . نلاحظ فى هذه الرسالة أن ديونسيوس البطريرك السكندرى أشار إلى طقس " البصخة " ليس على أنه مستحدث فى عهده بل كونه موجود ومتعارف عليه منذ قبل، وعلى هذا يمكن أن نرجع معرفة الكنيسة القبطية لطقس البصخة المقدسة إلى القرن الثانى الميلادى وأنها تسلمته من تلاميذ الرسل وخاصة مرقس الرسول مؤسس الكنيسة القبطية.
ويوضح الدكتور شكرى يوسف شكرى كيرلس أن المؤرخ يوسابيوس القيصرى (260- 339م) Eusebius of Caesarean أشار فى كتابه حياة قنسطنطين إلى أن كنيسة فلسطين كانت تمارس طقس أسبوع الآلام فى عهده بالقرن الثالث الميلادى وأن الإمبراطور قنسطنطين الكبير( 306- 337م) Constantin أصدر مراسيم بحفظ هذا الطقس وتعميمه فى باقى كنائس الإمبراطورية فى القرن الرابع الميلادي.
ومنذ القرن الرابع الميلادى أقرت واتفقت المصادر الكنسية المتمثلة فى كتب المراسيم الرسولية الدسقولية – القوانين الكنيسية للقديس أثناسيوس الرسولى ( 328- 375م) – القوانين الكنسية للقديس باسيليوس الكبير ( 330- 379م ) – قانون مجمع قرطاج عام 345م على ذكر الاحتفال بأسبوع البصخة وهو الأسبوع الذى يسبق قيامة المسيح ويبدأ يوم أحد الشعانين وينتهى يوم سبت النور.
وكانت الرحالة أيجيريا Egeria التى زارت الأراضى المقدسة بفلسطين عام 381م أول من تحدثت عن طقس له ملامح ليتوروجيا عن أسبوع البصخة المقدسة وشاهدته فى القدس الشريف وسجلت عنه فى رحلتها أنه يبدأ من ليلة يوم السبت بصلوات عشية أحد الشعانين وتقام بكنيسة القديس لعازر فى بيت عنيا ( وهى الأن بلدة العيزرية نسبة إلى القديس لعازر، وتقع شرق القدس ، وتبتعد عنها بنحو 2000 متر)، وفى صباح أحد الشعانين بنطلق الركب إلى جبل الزيتون ومنه إلى مدينة القدس فى موكب حافل وهم حاملين سعف النخيل وأغصان الزيتون وفى يوم الثلاثاء من الأسبوع ذاته ينطلقون إلى جبل الزيتون مرة أخرى، حيث يعمل الكهنة المسيحيين على قراءة نبؤة السيد المسيح التى تتحدث عن خراب أورشليم والهيكل، وفى يوم الأربعاء يجتمعون بكنيسة القيامة ويلتفون حول القبر المقدس ويقرأون قصة خيانة يهوذا الأسخريوطى الذى سلم السيد المسيح لليهود مقابل ثلاثين من الفضة.
وفى عشية الخميس يصعد المؤمنين على جبل الزيتون ويدخلون كنائسه ويبدأون بطقس الصلاة والترتيل ثم يتجهوا إلى بستان جثسيمانى Gethsemane بقلب الجبل ( والتسمية تعنى معصرة الزيت ، والبستان يقع شرق القدس) ويقرأ الكهنة الأجزاء التى تتناول عذابات المسيح من الأسفار المقدسة ، وفى الساعات الأولى من يوم الجمعة العظيمة يتوجهون إلى كنيسة القيامة حيث يقرأ الكهنة تذكار محاكمة المسيح أمام الوالى الرومانى بيلاطس وبعدها يسترحون قليلًا ، وفى الظهيرة ينطلقون إلى جبل صهيون ( أرض تلية تقع جنوب غرب القدس خارج أسوار المدينة القديمة ، والتسمية تعنى الحصن المنيع) ويصلون إلى موضع منزل قيافا رئيس الكهنة اليهود الذى أصدر الحكم بالصلب على المسيح ، حيث يقوم المؤمنين بالصلاة عند العمود الذى شهد جلد السيد المسيح.
وبعدها يجتمعون بكنيسة القيامة حول خشبة صليب الصلبوت ويقرأون أحداث الآلام ونبؤات عنها من العهد القديم لمدة ثلاث ساعات، وجرى الطقس على قضاء تلك الليلة بكنيسة القيامة فى الصلاة حتى صباح الأحد وبعدها يعودون إلى منازلهم لتبقى قسط من الراحة ويجتمعون ثانيًا بالكنيسة فى ليلة السبت حيث ينطلقوا بالصلوات والقراءات الكنسية الطقسية حتى صباح الأحد حيث يحتفلون بالقيامة .
وينوه الدكتور شكرى يوسف شكرى كيرلس إلى الطقوس فى العصور الوسطى بمصر حيث أشار " ساويرس أسقف الأشمونيين" فى القرن العاشر الميلادى فى كتابه " الدر الثمين فى أيضاح الدين " إلى أن أسبوع الألام يبدأ يوم السبت الذى يطلق عليه " سبت لعازر " السابق لأحد الشعانين ويمتد حتى السبت التالى له وهو " سبت النور " وهو ليس من الصيام الأربعينى بل يصومه المؤمنين تذكارًا لآلام السيد المسيح .
ثم يأتى العلّامة القبطى " يوحنا بن زكريا بن السباع " فى القرن الثالث عشر فى كتابه المعنون " الجوهرة النفيسة فى علوم الكنيسة " ليقرر أن بداية أسبوع الآلام تكون من عشية يوم أحد الشعانين ( التقليد الكنسى يُحسب بداية اليوم من عشية اليوم السابق له) أى بداية من يوم الاثنين وليس سبت لعازر كما ذكر ساويرس بن المقفع سابقًا.
ويتفق مع ابن السباع مصدر قبطى آخر للعلّامة " ابن كبر" بالقرن الرابع عشر الذى ذكر فى كتابه " مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة " أن أسبوع الآلام يبدأ من عشية يوم أحد الشعانين أى يوم الاثنين وهو التقليد الذى امتد عبر القرون لتسير عليه الكنيسة القبطية فى عصرنا الحديث وحتى الآن .
تقسيم صلوات السواعى فى أسبوع البصخة
يتابع الدكتور شكرى يوسف شكرى كيرلس بأن الصلوات فى هذا الأسبوع تنقسم إلى خمس ساعات نهارية وخمس مسائية، هى الساعات الأولى والثالثة والسادسة والتاسعة والحادية عشر، وكان الأقباط يقضون يومهم كاملًا فى الكنيسة حتى يكملوا صلاة سواعى البصخة اليومية كل ساعة فى وقتها ويقرأون الكتاب المقدس كاملًا فى أسبوع الآلام دون ترتيب أو تبويب . وتشير المخطوطات إلى أنه فى القرن الثانى عشر الميلادى قام البطريرك القبطى " غبريال بن تريك " ( 1131-1145م) بتنظيم القراءات ووضع كتابًا خاصًا بطقس البصخة وعمل على دمج صلوات السواعى النهارية الخمس لتصلى بالكنيسة فى فترة واحدة بالصباح ثم يعود الناس إلى بيوتهم ليجتمعوا مرة ثانية بالكنيسة فى المساء لأداء الصلوات المسائية مجتمعة فى فترة واحدة وعمل على وضع ترجمات عربية للقراءات والألحان بهذا الطقس وترجمة جميع الكتب الكنسية غلى اللغة العربية بما فيها الكتاب المقدس .
ترتيب صلوات كل ساعة
يحتوى كتاب " دلال أسبوع الآلام " المستخدم فى الكنائس القبطية على ترتيب صلوات البصخة المقدسة ويفتتح صلوات كل ساعة بالقسم الأول منها وهى " النبؤات " وفيها يقرء أجزاء من أسفار الكتاب المقدس للعهد القديم باللغتين القبطية والعربية وتتضمن النبؤات عن السيد المسيح وبخاصة عن آلامه وصلبه وقيامته ثم تتلى الصلاة الربانية وبعدها كانت الكنائس تقرأ أثنى عشر مزمورًا استبدلت باللحن " ثوك تى تى جوم " ويعنى " لك القوة والمجد والبركة والعزة " ويردد أثنا عشر مرة باللغتين القبطية والعربية ، ست مرات قبلى ومثلهم بحري.
ويعقبها الصلاة الربانية ثم يقرأ عظة لأحد أباء الكنيسة فى عصورها الأولى وبعدها يقال مزمور وقطعة من الإنجيل وتكون القراءة باللغة القبطية يتلوها ترجمة عربية ويرتل المزمور باللحن " الأدريبى" ويمتاز أن به مسحة من الحزن للتعبير عن المناسبة وبعدها يتلى " الطرح " وهو قطع شارحة لجزء الإنجيل الذى قرأ وتفسير لأحداث أسبوع الآلام، ويبدأ بمقدمة تقال فى الصباح بدايتها " أيها النور الحقيقى " وما يقال منها فى المساء هو تسبحة " السلام لك يا مريم ..." ، وينتهى بخاتمة هى ختام الطرح ويقال فيها تسبحة " المسيح مخلصنا جاء وتألم عنا ..." ومقدمة الطلبة وهى نوعين صباحية ومسائية وتُقال لاستجلاب مراحم الله على الناس وجميع الخلائق والتماس نماء الأرض والزروع والثمار وماء النيل وختام الصلاة ، ويقال لحن " أبؤورو " ويعنى " ملك السلام " ، ولحن " كيرياليسون" وبركة أسبوع الألام .


