موازين القوى وإحداثيات الأمن القومي رؤية في أبعاد الفكر الاستراتيجي للواء سمير فرج
كتبت - منى منصور السيد
تمثل المداخلة الأخيرة للواء سمير فرج نموذجاً لتقدير الموقف الاحترافي الذي يتجاوز مجرد الوصف الإخباري للأحداث، ليغوص في أعماق التفاعلات العسكرية والسياسية التي تشكل واقع المنطقة. إن جوهر ما قدمه يرتكز على عقيدة راسخة مفادها أن الميدان والسياسة وجهان لعملة واحدة، حيث لا يمكن فهم التحركات العسكرية بمعزل عن أهدافها السياسية النهائية.
من المنظور العسكري العملياتي، قدم اللواء تشريحاً دقيقاً لمسرح العمليات، موضحاً أن قيمة الأرض لا تقاس بمساحتها بل بقدرتها على منح طرف ما ميزة استراتيجية أو حرمان الخصم من حرية الحركة. وقد تجلى ذلك في تحليله لموازين القوى، حيث انتقل من لغة الأرقام الصماء إلى لغة الكفاءة القتالية والقدرة على إدارة التصعيد.
إن الإشارة إلى تكتيكات الأسلحة المشتركة ودور التكنولوجيا الحديثة لم تكن مجرد استعراض فني، بل كانت توضيحاً لكيفية تغيير قواعد الاشتباك التقليدية
مما يفرض واقعاً ميدانياً جديداً يجبر كافة الأطراف على إعادة حساباتها قبل الإقدام على أي مغامرة عسكرية شاملة.
وعلى الصعيد السياسي، اتسم التحليل بالواقعية التي تنظر إلى الصراعات كأدوات للضغط والتفاوض. فقد نجح اللواء في ربط التحركات الميدانية بالأجندات الدولية، مفسراً كيف تتحرك القوى الكبرى والإقليمية في مساحات تقاطع المصالح. إن التركيز على مفهوم الأمن القومي لم يكن خطاباً عاطفياً، بل كان تأصيلاً لمبدأ "الردع"؛ حيث تعمل القوة العسكرية كظهير صلب للدبلوماسية، مما يمنح الدولة القدرة على المناورة وحماية خطوطها الحمراء في بيئة إقليمية مضطربة.
أما البعد الأكثر أهمية في هذا الطرح، فهو الربط بين الجبهة العسكرية والجبهة الداخلية. فقد وجه اللواء رسائل ضمنية حول أهمية الوعي الشعبي في مواجهة حروب الجيل الرابع والخامس، مؤكداً أن تماسك الجبهة الداخلية هو السلاح الأقوى الذي يدعم صانع القرار في أصعب اللحظات. إن القدرة على تبسيط هذه التعقيدات وتقديمها في إطار منطقي يسهم بشكل مباشر في تحصين الرأي العام ضد حملات التشكيك والإحباط.
في الختام، يمكن القول إن هذه المداخلة قد لخصت فلسفة إدارة الأزمات، وهي أن الاستقرار لا يتحقق إلا بالتوازن الدقيق بين القدرة على الحسم العسكري والمرونة في التحرك السياسي، مع بقاء حماية الدولة الوطنية وصون سيادتها هي الغاية الأسمى التي تحكم كافة التحركات على رقعة الشطرنج الإقليمية والدولية.
