recent
أخبار ساخنة

الصمت الاختياري حين تصبح العزلة في قلب الزحام

وليد رزق
الصفحة الرئيسية

الصمت الاختياري حين تصبح العزلة في قلب الزحام



كتبت - منى منصور السيد

نحن نعيش اليوم واحدة من أغرب المفارقات التي مرّت بها البشرية في تاريخها الحديث؛ حالة يمكن وصفها  "الضجيج الصامت". 

فرغم أننا نعيش في عصر الانفجار المعلوماتي، ومحاطون بوسائل تكنولوجية تجعل العالم كله رهن إشارة من أصابعنا، إلا أننا غرقنا في نوع من الصمت الاختياري المخيف. 

لقد تحولنا بمرور الوقت إلى جزر معزولة تجتمع قسراً تحت سقف واحد، أجساد حاضرة تتقاسم المكان، لكن الأرواح فيها غائبة تماماً وكأننا نعيش حالة من "العزلة الجماعية" في قلب الزحام.


لم يعد الاغتراب بحاجة إلى حقائب سفر أو تأشيرات عبور، بل أصبحنا نغترب ونحن في قمة القرب المكاني. 

انظروا إلى بيوتنا في ساعات المساء؛ المشهد يكاد يكون متطابقاً في أغلب المنازل، عائلة تجلس حول مائدة واحدة، أو في غرفة واحدة، لكن الحقيقة أن كل فرد منهم يرحل وحيداً في فضاء هاتفه الخاص.

 كل عين معلقة بشاشة زرقاء، وكل عقل هائم في عالم افتراضي، بينما يلف الصمت أركان البيت. هذا الغياب ليس سببه نفاد الكلمات، بل هو نتيجة "تشتت الانتباه القسري"؛ فقد تغلبت رنات الإشعارات على نبرات الصوت البشري، وسرقت منا تلك اللحظات العفوية التي كانت تُبنى فيها المشاعر وتُحل فيها الأزمات بمجرد الكلام.


هذا الانكفاء على الذات الافتراضية أوقعنا في فخ "الردود الجاهزة". 

فبعد أن كان الحوار الإنساني رحلة من الشجن والبوح وتفصيل المشاعر، صرنا نختصر عواطفنا في "إيموجي" باهت أو كلمة مقتضبة لا روح فيها ولا حياة. ومع الوقت بدأ العقل البشري يكسل عن صياغة الأحاسيس، وجفت العواطف تدريجياً، وانهدمت الجسور التي لا تُبنى إلا بالحديث الحي والمناقشات الطويلة. والأسوأ من ذلك أننا صرنا نهرب من المكالمة الهاتفية إلى الرسالة النصية، ومن اللقاء المباشر إلى التواصل عبر الشاشات، بحثاً عن أمان وهمي يتيح لنا حذف الكلمات وتجميلها، ففقدنا الصدق الذي لا يمكن تزييفه في لمعة العيون أو نبرة الصوت المرتجفة.


ولا يمكننا أن نغفل جانباً أعمق لهذا الصمت؛ فهو أحياناً يكون درعاً نحتمي خلفه أو "آلية دفاع" نفسية. 

ففي عصر "تصيد الأخطاء" والترصد الذي نعيشه حالياً صار الجميع يخشى العفوية، ويخاف أن تُفهم كلماته بشكل خاطئ أو تُنتزع من سياقها.

 هذه الرقابة الذاتية الصارمة قتلت التلقائية في حواراتنا حتى بين الأزواج وفي أضيق الدوائر الأسرية، مما أدى إلى ما يعرف بـ "التباعد العاطفي"، حيث يعيش الجميع حالة من الحذر تمنعهم من البوح بما يؤلمهم.

إننا اليوم في حاجة ماسة إلى ثورة وعي حقيقية لاستعادة "دفء الكلمة" قبل أن يبتلعنا الجمود تماماً وتتحول بيوتنا إلى مجرد فنادق يسكنها الغرباء.

 البداية لا تتطلب معجزات، بل تتطلب إرادة للعودة إلى الفطرة الإنسانية. 

يجب أن نعيد الاعتبار لطقوس الحوار أن نخصص مساحات وأوقاتاً داخل بيوتنا تكون فيها التكنولوجيا "خارج الخدمة" والقلب "في الخدمة". 

لنعد إلى الكلام ولنعد إلى العفوية وتوجيه الأنظار نحو وجوه من نحب بدلاً من الشاشات، فهي الضمان الوحيد لئلا نتحول إلى مجرد آلات صامتة في عالم يزداد صخباً في مظهره، وبروداً في جوهره.


والآن.. اسأل نفسك بصدق: متى كانت آخر مرة تركت فيها هاتفك جانباً، ونظرت في عين من تحب لتجري معه حواراً طويلاً لا تقطعه "رنة" رسالة أو إشعار؟

google-playkhamsatmostaqltradentX