انتي طالق … كلمة سهلة تهدم أسرة
بقلم : د . ضياء الرفاعي
لايف كوتشينج وأخصائي تطوير الذات
لم تعد مشكلة الطلاق في مجتمعنا مجرد قضية فردية تخص زوجين فقط، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية تؤثر في الأسرة والأبناء واستقرار المجتمع بأكمله.
وقد لاحظنا أن كثيرًا من مسلسلات هذا العام، وخاصة في شهر رمضان الكريم، تناولت مشكلة الطلاق وما يترتب عليها من أضرار ومشكلات، سواء في إطار كوميدي يميل أحيانًا إلى الكوميديا السوداء، أو في إطار تراجيدي درامي.
ولا شك أن كلمة «أنتِ طالق» تبدو في ظاهرها كلمة بسيطة وسهلة، لكنها في الحقيقة تحمل خلفها مشكلات لا حصر لها سواء للزوج أو الزوجة، بينما يبقى المتضرر الأكبر في كثير من الأحيان هم الأبناء.
من المسؤول عن الطلاق؟
السؤال الذي يطرح نفسه دائمًا: الرجال أم النساء؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، دعونا نعود قليلًا إلى سبب تركيز الدراما هذا العام على هذه القضية.
تشير البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد حالات الطلاق في مصر خلال السنوات الأخيرة يتراوح ما بين 250 ألفًا إلى 270 ألف حالة سنويًا.
تخيل معي هذا الرقم الكبير، والأكثر لفتًا للانتباه أن نسبة كبيرة من هذه الحالات تحدث في السنوات الأولى من الزواج وتحديدًا خلال أول خمس سنوات.
عند متابعة المسلسلات التي تناولت هذه القضية نجد أن الانفصال بين الزوجين يحدث في كثير من الأحيان لأسباب قد تبدو بسيطة، أو نتيجة قرارات متسرعة.
ففي بعض الأعمال تطلب الزوجة الطلاق بحجة أن زوجها لم يعد يفهمها أو لا يلبي متطلباتها، وفي أعمال أخرى يكون السبب البحث عما يسمى بالحرية، أو التأثر بآراء صديقات أو أصدقاء قد يروجون لفكرة أن الحياة دون زواج أكثر متعة دون النظر إلى العواقب الاجتماعية والنفسية لذلك.
كما تروج بعض الأفكار الخاطئة لفكرة أن الصداقات المفتوحة بين الجنسين أو العلاقات غير الملتزمة أمر طبيعي طالما لا توجد التزامات واضحة، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى تفكك العلاقة الزوجية.
ولا يمكن إنكار أن الدراما نجحت إلى حد كبير في عرض المشكلة وتشخيصها، لكنها في كثير من الأحيان توقفت عند عرض الأزمة دون تقديم حلول واضحة تساعد المشاهد على تجنب الوقوع في نفس المشكلة.
وبذلك تُترك مساحة كبيرة للتفسير الشخصي للمشاهد دون وضع إطار واضح للحلول التي يمكن أن تقلل من هذه الظاهرة.
وبناءً عليه أصبحنا بعيدين عن المعنى الحقيقي للعلاقة الزوجية كما ورد في قوله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
بالعودة إلى السؤال الذي طرحناه في بداية المقال:
من المسؤول عن الطلاق؟
في الحقيقة لا توجد إحصائية دقيقة تحدد بشكل مباشر الطرف المسؤول عن الطلاق، لكن المتاح من البيانات هو معرفة من يرفع دعوى الطلاق أمام المحكمة.
تشير الإحصاءات إلى أن حوالي 65٪ من دعاوى الطلاق ترفعها النساء، بينما يرفع الرجال حوالي 35٪ من هذه الدعاوى، بالإضافة إلى حالات أخرى يتم فيها الطلاق بالتراضي دون اللجوء إلى القضاء.
وهذا لا يعني بالضرورة أن المرأة هي السبب في الطلاق، لكنه يعني فقط أنها في كثير من الحالات تكون الطرف الذي يلجأ إلى القضاء لإنهاء العلاقة.
وتشير الدراسات الاجتماعية إلى أن الطلاق يحدث غالبًا نتيجة مجموعة من الأسباب المتداخلة، من أهمها:
الضغوط الاقتصادية والمشكلات المادية.
ضعف التواصل والحوار بين الزوجين.
الخيانة أو فقدان الثقة والعنف وسوء المعاملة.
الزواج المبكر وعدم النضج الكافي لتحمل المسؤولية.
ومن وجهة نظري الشخصية يمكن إضافة بعض الأسباب الأخرى، مثل:
ضعف الوازع الديني.
التقليد الأعمى لبعض أنماط الحياة في المجتمعات الغربية.
تقليد بعض أنماط الحياة في الطبقات الاجتماعية الثرية بطريقة لا تتناسب مع واقع كثير من الأسر.
العند والعناد بين الزوجين.
وإذا كانت الدراما قد نجحت في عرض المشكلة، فإن المجتمع في حاجة إلى الحديث عن الحلول.
ومن أهم الخطوات التي قد تساعد في الحد من هذه الظاهرة:
إدراك أن الزواج شراكة ومسؤولية مشتركة تحتاج إلى وعي ونضج وقدرة على إدارة الخلافات.
حسن اختيار شريك الحياة، وتعلم مهارات الحوار والاستماع للطرف الآخر باحترام.
تجنب الكلمات الجارحة، وإدراك أن الحياة الزوجية ليست مثالية كما يتصور البعض، بل هي حياة مليئة بالمسؤوليات والضغوط.
تقليل تدخل الأهل والأصدقاء في تفاصيل الحياة الزوجية لأن هذا التدخل قد يزيد المشكلة تعقيدًا بدلًا من حلها.
ختامًا
إن الحفاظ على الأسرة مسؤولية مشتركة بين الزوجين فالعلاقات الناجحة لا تعني غياب المشكلات، بل تعني القدرة على مواجهة هذه المشكلات والتعامل معها بحكمة.
فالطلاق قد يكون في بعض الحالات حلًا ضروريًا، لكنه لا ينبغي أن يكون القرار الأسهل والأسرع.
وقبل اتخاذ هذا القرار، يجب التوقف لحظة للتفكير في تاريخ العِشرة، وفي الأبناء، وفي كل ما كان جميلًا في هذه العلاقة.
فالأسر لا تُبنى بالكمال، بل تُبنى بالصبر والتفاهم والرغبة الصادقة في الاستمرار.
