زلزال الشرق الأوسط قراءة إستراتيجية في تبعات سقوط طهران
كتبت : منى منصور السيد
في ظل المتغيرات المتلاحقة التي تعصف بالمنطقة، تبرز تساؤلات جوهرية تتجاوز المشهد العسكري الآني لتغوص في عمق الجيوسياسة العربية؛ تساؤلات تدفعنا للتفكير بعمق: هل سقوط إيران يمثل نصراً حقيقياً أم أنه بداية لعاصفة كبرى قد لا تستثني أحداً؟ وبناءً على القراءات التحليلية والتصريحات الإستراتيجية لمعالي اللواء سامي دنيا، فإن المشهد يتطلب بصيرة تتجاوز العناوين العريضة، فالمخطط الذي يلوح في الأفق يتجاوز مجرد تغيير أنظمة ليصل إلى مشروع تفكيك هو الأخطر في تاريخ المنطقة الحديث.
إن سقوط الدولة في إيران، وفقاً لهذه الرؤية الإستراتيجية، لا يعني مجرد غياب نظام سياسي، بل هو تمهيد لسيناريو "الفوضى المنظمة" الذي عاصرناه في نماذج مريرة كأفغانستان والعراق وسوريا وليبيا. إن تفريغ الدولة من مؤسساتها سيحول تلك الجغرافيا الشاسعة إلى مرتع للميليشيات المتقاتلة والتنظيمات المتطرفة، مما يحول غرب آسيا بالكامل إلى منصة لتصدير الإرهاب وموجات الهجرة غير الشرعية نحو دول الجوار، وعلى رأسها مصر ودول الخليج، وصولاً إلى تهديد الأمن القومي لروسيا والصين.
ويشدد التحليل المستند إلى رؤية اللواء سامي دنيا على أن القوى الدولية، وعلى رأسها واشنطن، لا تدخل حرباً إلا ولها ثمن كارثي تدفعه شعوب المنطقة؛ فالتاريخ من فيتنام إلى العراق يؤكد أن التدخل العسكري الأمريكي يحقق مصالح ضيقة ولا يترك خلفه سوى الدول الفاشلة. إن ما يحدث الآن هو خطوة متقدمة في مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي يسعى لتفتيت القوى الإقليمية الكبرى إلى دويلات طائفية وعرقية ضعيفة، وهو ما يمهد الطريق لـ "سايكس بيكو جديد" قد يمتد أثره، وفق مخططات برنارد لويس، ليطال دولاً محورية أخرى في المنطقة.
عسكرياً، يبرز التهديد المباشر للملاحة العالمية وشرايين التجارة العربية في مضيق هرمز وباب المندب؛ إذ إن انهيار الدولة الإيرانية قد يفتح الباب لسيطرة عسكرية أمريكية كاملة تحت ذريعة حماية الممرات المائية، والهدف الحقيقي هو عسكرة البحر الأحمر وبح العرب لمحاصرة النفوذ الصيني والضغط على الاقتصاد المصري والخليجي. كما أن غياب إيران كقوة إقليمية وازنة سيؤدي حتماً إلى اختلال توازن القوى الكلاسيكي بين (مصر وتركيا وإيران)، مما يطلق يد إسرائيل بالكامل لتنفيذ مخططات تهجير سكان غزة وتصفية القضية الفلسطينية دون رادع إقليمي حقيقي.
وفي الختام، فإن هذه القراءة الإستراتيجية تؤكد أن الصراع الحالي تجاوز مرحلة التفاهمات السرية ودخل مرحلة التصفية المباشرة، وهي حرب تستهدف في جوهرها فكرة المقاومة ورفض الهيمنة. لذا، فمن الحكمة الإدراك بأن انهيار الدولة الإيرانية، بغض النظر عن الموقف من سياساتها، سيفتح أبواباً من الفوضى تفوق قدرة المنطقة على الاحتمال، مما يجعل الحفاظ على تماسك الدول الوطنية ضرورة قصوى لحماية الأمن القومي العربي الشامل.

