recent
أخبار ساخنة

إسرائيل الكبرى والنهاية الحتمية

إسرائيل الكبرى والنهاية الحتمية



بقلم : د. ناصر السلاموني

رئيس الاتحاد الدولي للصحافة العربية 

حين نقرأ المشهد الإقليمي والدولي قراءة هادئة، يتبين أننا أمام مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوة، حيث تتبدل التحالفات وفق اعتبارات المصالح لا وفق ثوابت الشعارات. وفي هذا السياق، يبرز بين الحين والآخر مصطلح «إسرائيل الكبرى» في الأدبيات السياسية والإعلامية، بوصفه تعبيرًا عن تصورات توسعية ارتبطت تاريخيًا ببعض التيارات الفكرية داخل الحركة الصهيونية، وإن ظل محل جدل واسع في تفسيره وحدوده ومدى واقعيته.


التحولات الدولية خلال العقود الأخيرة تؤكد أن التحالفات ليست كيانات جامدة، بل ترتبط بحسابات داخلية وخارجية معقدة. فالدول الكبرى تعيد ترتيب أولوياتها تبعًا لمصالحها الاستراتيجية، وقد تتحول الشراكات طويلة الأمد إلى أدوات ضغط أو مساومة عند تغير موازين القوى أو تبدل الإدارات السياسية.

 ومن ثم، فإن الاعتماد الكامل على ضمانات خارجية دون بناء عناصر قوة ذاتية متماسكة يظل خيارًا محفوفًا بالمخاطر في بيئة دولية سريعة التغير.

شهدت المنطقة العربية خلال السنوات الماضية حضورًا واسعًا للقواعد العسكرية الأجنبية، في سياق ترتيبات أمنية معقدة فرضتها طبيعة الصراعات الإقليمية. ومع كل أزمة دولية، يتجدد النقاش حول جدوى الحماية الخارجية وحدودها، وهل يمكن اعتبارها ضمانًا دائمًا أم ترتبط باعتبارات الربح والخسارة لدى القوى الكبرى.


في هذا الإطار، طُرحت في مراحل مختلفة أفكار لتعزيز منظومة الأمن العربي المشترك؛ فقد دعا الرئيس الأسبق حسني مبارك إلى توسيع آفاق التنسيق العربي، كما طُرح لاحقًا مشروع إنشاء قوة عربية مشتركة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بهدف بناء قدرة دفاعية ذاتية تصون الأمن القومي العربي. ورغم أن هذه المبادرات لم تتحول إلى واقع مؤسسي كامل، فإن التطورات المتلاحقة أعادت طرح السؤال الجوهري: هل الأمن الذاتي أقل كلفة وأضمن استقرارًا من الارتهان الدائم لتقلبات السياسة الدولية؟


وإذا كان التحليل السياسي يقرأ موازين القوى بلغة المصالح، فإن القراءة الحضارية الأعمق تنظر إلى سنن التاريخ التي تحكم حركة الأمم. فالقرآن الكريم حين أشار في سورة الإسراء إلى قوله تعالى:

﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾،

فقد فهم عدد من المفسرين هذه الآيات في سياق سنن التدافع والابتلاء التاريخي، لا بوصفها دعوة للصراع، بل باعتبارها كشفًا لطبيعة تداول القوة بين الأمم.


ويقول سبحانه:

﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾،

وهي قاعدة حضارية تؤكد أن مصير الجماعات والأمم يرتبط بأفعالها الداخلية قبل أي عامل خارجي. كما جاء في قوله تعالى:

﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ (الإسراء: 104)،

في إشارة إلى حركة التاريخ القائمة على التجمع والتفكك وإعادة التشكل.

ومن منظور سنن التاريخ، فإن أي مشروع توسعي — أياً كان مصدره — يظل خاضعًا لقوانين التوازن والردع. فالتجربة الإنسانية تؤكد أن القوة حين تنفصل عن العدل تولد مقاومات مضادة، وأن الهيمنة التي لا تستند إلى شرعية عادلة تواجه تحديات مستمرة. ليست القضية إذن شعارات أو انفعالات، بل توازنات تحكمها اعتبارات السياسة والاقتصاد والاجتماع.


وعليه، فإن الحديث عن «نهاية حتمية» لا ينبغي أن يُفهم بوصفه توقعًا لحظة مفاجئة، بل كنتيجة طبيعية لمسارات تاريخية طويلة، تتشكل عبر التراكم والتدافع وإعادة توزيع القوة. فالأمم التي تنجح في بناء اقتصاد قوي، وتعزيز وحدتها الداخلية، وتطوير مؤسساتها العلمية والعسكرية، هي الأقدر على صناعة مستقبلها، بغض النظر عن تحولات الآخرين.


إن التحدي الحقيقي عربيًا لا يكمن في الاكتفاء بمتابعة المشاريع الإقليمية أو انتقادها، بل في بلورة مشروع ذاتي قائم على التكامل الاقتصادي، وتعزيز منظومات الدفاع المشترك، وترسيخ الاستقرار الداخلي، وتحويل الموارد إلى عناصر قوة حقيقية.

فالقرآن لا يربط الإيمان بالانتظار، بل بالعمل:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾.

ومن ثم، فإن اليقين بزوال الظلم — كحقيقة تاريخية متكررة — لا يغني عن الإعداد، ولا يعفي من مسؤولية البناء. فسنن التاريخ لا تحابي أحدًا، ومن أراد الحفاظ على مكانته فليمتلك أدواتها علمًا وتنظيمًا ووحدة قرار.

حفظ الله مصر، وحفظ أمتنا العربية، وألهمها رشدها وجعل مستقبلها نتاج إرادتها وجهد أبنائها.

google-playkhamsatmostaqltradentX