مدفع رمضان من المصادفة إلى تقليدٍ خالد
بقلم : عماد الدين محمد
في شهر رمضان المبارك، تتجلّى الكثير من الطقوس التي تحمل بين طيّاتها عبق التاريخ وروح التراث، ويأتي في مقدمتها مدفع رمضان، ذلك الصوت الذي ارتبط بوجدان الصائمين، وصار إعلانًا يوميًا يحمل البهجة معلنًا انتهاء ساعات الصيام وحلول موعد الإفطار.
تعود قصة مدفع رمضان إلى القرن الخامس عشر الميلادي، وتحديدًا في عهد السلطان خوشقدم، حين وصل إلى مصر مدفعٌ جديد كهدية. وأثناء تجربة إطلاق هذا المدفع، انطلقت إحدى قذائفه مصادفةً وقت غروب الشمس في أحد أيام شهر رمضان المبارك، فظنّ سكان القاهرة أن السلطان تعمّد إطلاقه لتنبيه الصائمين إلى موعد الإفطار.
وقد استحسن الأهالي هذه الوسيلة الجديدة التي أعفتهم من التخمين، وتوجّهوا إلى قصر السلطان لتقديم الشكر.
ومن هنا، أدرك السلطان أهمية الفكرة، فأصدر أوامره بأن يُطلق المدفع يوميًا عند غروب الشمس إعلانًا للإفطار وكذلك قبل الفجر لتنبيه الناس بموعد الإمساك، لتتحوّل المصادفة إلى تقليد رسمي استمر عبر العصور.
ومع قيام الدولة الحديثة في عهد محمد علي باشا، جرى تنظيم عملية إطلاق المدفع بشكل أكثر دقة، حيث وُضع في أماكن مرتفعة، من أبرزها قلعة صلاح الدين الأيوبي حتى يصل صوته إلى أكبر عدد ممكن من سكان المدينة كما خُصّص له طاقم مسؤول عن تحديد توقيت الإطلاق وتجهيز الذخيرة وصيانة المدفع.
ومع مرور الوقت، انتقلت هذه العادة من مصر إلى العديد من الدول العربية والإسلامية مثل سوريا والأردن والإمارات العربية المتحدة، لتصبح واحدة من أهم المظاهر الرمضانية التي تعبّر عن روح الشهر الكريم.
ورغم التقدم التكنولوجي وظهور وسائل حديثة لمعرفة مواعيد الإفطار والإمساك، لا يزال مدفع رمضان حاضرًا في بعض المناطق، يُطلق يوميًا حفاظًا على هذا التراث العريق الذي يمثّل جزءًا من الهوية الثقافية والدينية وصوتًا يحمل في طيّاته عبق الماضي وذكريات الأجداد.
وهكذا، لم يعد مدفع رمضان مجرد وسيلةٍ لتحديد الوقت بل أصبح رمزًا للفرحة، وعلامةً مميزة لاستقبال لحظة الإفطار، وصوتًا يربط الحاضر بالماضي في مشهدٍ تتوارثه الأجيال عامًا بعد عام.
