سيف الحياء
بقلم: ندى سمير
يستبيح مجتمعنا الحالي حق الصامت، ذو الحياء، المستكين، لا يتوَّج المُسالم لحفظه السلام ومنعه النزاع، بل يُقَاضى بقطع عنقه بسيفِ الحياء، من يقبل الإطعام بسيف الحياء يأتي كل يوم وأمام بابه أفواجٌ من الجائعين، من يُقرِض مالًا بسيف الحياء، يصحو كل يوم وأيدي الشحاذين ملتفة حول عنقه، من يفعل المعروف محروجًا يغدو المعروف واجبه ودوره المُحتم، لا يفهم البعض معنى الرفض سوى إن كان صارمًا مباشرًا عنيفًا وقاسيًا، لا يُؤخذ حرجك على محمل الجد، ارتيابك وقلقك في أعينهم لا يَهم ما دمت أومأت بالموافقة ولو مجبرا.
يُحرِّف البعض جوابك على مضضٍ وبترددٍ على أنه قبولٌ صريح، ويكرره طلبه مرارًا كما وكأنه عملك الدائم، ولزامٌ عليك أن تطيعه. إن المرء ينبغي إذا طلب طلبًا أن يعي احتمالية الرفض كما قال المولى عز وجل: (وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا)، لأن أبسط مشروعات المرء أن يُعارِض ويَأبى، وإن عُورِض يقبل ويتراجع عما ابتغى حال آذى الآخر ولو لم يفصح، على المرء أن يكون لماحًا يدرك الضرر قبل وقوعه وليس حين يفيض الإناء بما حوى، من المروءة ألا تشقي الآخر بحاجتك ولو كانت لحوحة، العالم ليس في خدمتك والبشر أحرارٌ وليسوا عبيدك، من يزعجه توافدك لا ترغمه تحيّتك، ومن تؤذيه قائمة رغباتك لا تسقيه إياها سقيًا، لا تَعقر من يتجنب أوامرك، ومن تحسستَ منه استحياءً واستياءً، أنتَ لست للأرض شمسًا!
رغباتك ليست فروضًا أوجبها الإله، ليست قانونًا شرعه القضاء، وإنما تَقبلُ الرد والصد، فإنّ الناسَ طاقاتٌ ولكلٍ سعة، ولستَ سيّد الجميع ولا مَالكهم، بالحُسنى تُدار كل العلاقات بناءً وهدما، والمؤمن الحق من سَلِمَ الناسَ من لسانهِ ويَده، ومن ترفَّع عن الأذى، وصان الحقوق كما يود أن يُصان حقه.
فاليوم يُرى المعطاء على أنه صفقة رابحة لكل ظمآن أو مرتوٍ أراد غرفًا، تنزع عنه إرادة الاختيار، يستنزف قدر المستطاع، وإذا قيل له أمرًا أطاع، لم يعد بشرًا بل نهرًا لا ينضب، وإن نضب استبدل، وإن اشتكى رُجم، وإن رفض هجر، وإن استحى نُبذ، منظومة مبنية على مستبدٍ يتسلط وخجولٍ يخنع، وكلاهما لا ينظر أن العيب فيه، ولا يدرك ذنبه فيتوب عنه، حياة قائمة على التغذي على الأضعف والاستيلاء على الطاقة وامتصاصها، وطأطأة الرؤوس والرضا بالمهان،حياة كل من فيها يصنف نفسه كضحية، والضحية الحقيقية تائهة عن حقها، بل وأحيانًا لا يعرف المرء نفسه من سيكون لو لم يكن ضحية؟ فيعيد تعريف ذاته من خلال خضوعه، وينسى ما يدعى كرامته، وينسى ما يدعى شرفه، ويحب أن يكون منقادًا خوفًا من أن يكون لا شيء.
وبسيف الحياء كم أغار وحشٌ على أرضٍ، وسلمه حراسها المفتاح، ولكم قامت به حضارات وفسدت أعراق.

