recent
أخبار ساخنة

رحلة بين سطور كتاب " لا تعشق هذه الأنثى " للكاتبة : مروة محمد عبد المنعم

رحلة بين سطور كتاب

 " لا تعشق هذه الأنثى "

للكاتبة : مروة محمد عبد المنعم



     دراسة نقدية

بقلم : الكاتب والناقد الأدبي عماد الدين محمد

السبت 3 يناير 2026 | 8:30 PM 

- مقدمة 

يُعدّ كتاب " لا تعشق هذه الأنثى " للكاتبة مروة محمد عبد المنعم نموذجًا لافتًا للكتابة التي تمزج بين البوح الذاتي والخطاب الإنساني العام؛ حيث تتقاطع التجربة الفردية مع الوعي الجمعي، ويتحوّل النص من مساحة اعتراف إلى فعل مقاومة ناعمة ضد القهر الاجتماعي والنفسي المفروض على المرأة.


ينتمي هذا العمل إلى أدب التجربة، الذي يستند إلى الذات بوصفها منطلقًا، دون أن ينغلق عليها، بل يتجاوزها ليطرح أسئلة كبرى تتعلّق بالهوية، والحرية، وإعادة تشكّل الوعي الأنثوي في مواجهة منظومات العادات والتقاليد والسلطة الأبوية، والأحكام المسبقة. فالكاتبة لا تكتب عن أنثى بعينها، بقدر ما تعيد تشكيل صورة المرأة بوصفها كيانًا قادرًا على تجاوز الانكسار، وإعادة بناء الذات من ركام الخذلان.


ومن منظور نقدي، يتأسس النص على ثنائية مركزية: القهر/ التحرر، حيث تتحرّك اللغة بين الألم والأمل والانكسار والنهوض، في خطاب سردي أقرب إلى الشهادة الإنسانية منه إلى السرد التقليدي. كما تعتمد الكاتبة على لغة وجدانية مكثفة، تتسم بالرمزية والصدق العاطفي، ما يمنح النص بُعدًا شعوريًا عميقًا، دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية الزائدة.


صورة أرشفية للكاتبة من داخل جناح دار المعارف - معرض الكتاب 2025

وتتجلّى أهمية هذا العمل في كونه لا يقدّم خطابًا نسويًا صداميًا، بل يطرح رؤية إنسانية هادئة، تنحاز إلى قوة الداخل، وإلى فكرة أن الخلاص لا يأتي من الخارج، بل من إعادة الوعي بالذات، وبالقدرة على الاختيار وصناعة المصير. ومن هنا، يمكن قراءة الكتاب باعتباره محاولة لإعادة تعريف مفهوم القوة الأنثوية، لا بوصفها تحدّيًا للآخر، بل انتصارًا على الهشاشة الداخلية.


وعليه، فإن دراسة هذا العمل نقديًا تفتح أفقًا لفهم تحوّلات الكتابة الأنثوية المعاصرة، التي لم تعد تكتفي برصد الألم، بل تسعى إلى تفكيكه، وتحويله إلى طاقة إبداعية قادرة على إعادة تشكيل الذات والواقع معًا.


من بين سطور الحياة وتفاصيلها المتشابكة، وعبر سنواتٍ حملت في طيّاتها الذكريات والمواقف، بين الأحزان والسعادة، السقوط والميلاد، الموت والبدايات الجديدة يولد الأمل من رحم الألم، وينبت الرجاء من عمق اليأس.


وهذا، بالضبط، ما تحمله سطور كتاب

 " لا تعشق هذه الأنثى "

في رحلة الحياة، نلتقي بمن يهدم كل جميل، وبمن يبني ويُصلح الدروب في أوقات الضعف ولحظات القوة.

 نمرّ بشعاع الأمل، وندخل دروب المتاهة، ونعبر مدن الأحزان والخذلان، لكننا حين نستفيق من غفوتنا، نبحث عن جسور الأمل لنعبرها نحو عالمٍ نصنعه بأنفسنا، بعيدًا عن الماضي؛ عالم نكون فيه كما نريد، لا كما أراد لنا الآخرون.


ومن خلال دروب رحلة الكاتبة، يتّضح أنها تتحدّث عن ذاتها، وعن تجارب إنسانية متشابهة للآخرين. 

تأخذنا عبر بحار الحياة في قاربٍ صنعته بيديها، محاولة النجاة من قهر الواقع، بين العادات والتقاليد، بين الصواب والخطأ، وبين ماهيات الحياة واختلاف البشر وعقولهم.


وبين تفاصيل النص، الذي يبدو كأنه رواية لم تُكتب بعد وصرخة صبر، ومحاولة هروب من سجن القهر وسياط السجّان، صنعت حواء جنة الاحتواء.

 عوالم واقعية في مساحات خفية، ونفوس أعلنت التمرّد على قهر الأنثى التي لا يتمنّاها الكثيرون: الأنثى القوية المتماسكة بعد الانهيار، الصامدة بعد العاصفة.

وكما تصفها الكاتبة، هي زهرة في حضن الأشواك، تحوّل بستان آلامها، بقوة الإرادة، إلى جنّةٍ يتمنّى الجميع السكن فيها، والاقتراب منها، والاقتداء بها.

تخبرنا الكاتبة، بين سطورها، أن الحياة لا تتوقّف على أحد، مهما كان، خاصة بعد معاناة الخيانة والغدر والطمع. 


ورغم ذلك، تحافظ على ذاتها في زمنٍ موحش، وعقولٍ مريضة لا تحمل إلا أفكارًا متحجّرة، تشبه زمن الجاهلية.



ومن بين سطور كتاب " لا تعشق هذه الأنثى " تنقل لنا مروة محمد عبد المنعم رسالة واضحة من نبع الحياة؛ عن رحلةٍ امتزج فيها المرّ بالحلو، وبين أشخاص يهدمون بأنانيتهم كل شيء، ويحوّلون البساتين الخضراء إلى صحراء جرداء يسكنها التوحّش.


لكنها، بعد أن خرجت إلى النور، وعلى الجانب الآخر من الرحلة، أعادت صناعة ذاتها، وحوّلت تلك الأنثى المقهورة، الضعيفة، المتغافلة، إلى أنثى قوية، غيّرت دروبها، وصنعت مملكتها الخاصة، وجلست على عرشها منفردة تحظى بالاحترام والتقدير من الجميع.


- خاتمة 

في المحصّلة، يقدّم كتاب " لا تعشق هذه الأنثى " تجربة إنسانية عميقة تتجاوز حدود البوح الشخصي إلى فضاء الوعي الجمعي، حيث تتحوّل المعاناة إلى أداة للفهم، والألم إلى محفّز لإعادة بناء الذات. 

لا تكتب مروة محمد عبد المنعم عن الضعف بوصفه نهاية بل تعيد تعريفه كبداية لمسارٍ جديد من النضج والوعي.

يتميّز النص بقدرته على تفكيك القهر الأنثوي دون الوقوع في فخ الخطاب الصدامي أو الشعاراتي، معتمدًا على لغة وجدانية صادقة، تحمل من الرمزية ما يكفي لملامسة القارئ، ومن الهدوء ما يمنحه عمقًا إنسانيًا لافتًا.

 وهنا تتجلّى قيمة العمل بوصفه شهادة شعورية على تحوّل المرأة من موقع الانكسار إلى فضاء الاختيار الحر.


وبهذا المعنى، يمكن اعتبار الكتاب إضافة نوعية لمسار الكتابة الأنثوية المعاصرة، التي لم تعد تكتفي برصد الألم، بل تسعى إلى مساءلته، وتجاوزه، وتحويله إلى طاقة خلاقة قادرة على إعادة تشكيل الوعي والوجود معًا.

google-playkhamsatmostaqltradentX