النرجسيين يزعمون أنهم باحثون عن الاستقرار والسكينة والتواصل والسعادة
من مجموعة " فكني منهم وحققني بك "
بقلم الكاتب الصحفي والمحلل السياسي : محمد جاد هزاع
قال لي : كل النرجسيين يزعمون أنهم باحثون عن الاستقرار والسكينة والتواصل والسعادة ، ويملأون الآفاق بالشكوى والنحيب والبكاء ، وربما بالعويل والتعديد والصراخ ولطم الخدود وشق الجيوب وكأنهم في جنازة دائمة لاتنتهي أبدا ، بينما الحقيقة أنهم يعيشون في صدام دائم ، وصراع دائم ، وحرب دائمة
مع أنفسهم ، ومع الآخرين ، يخترعونها اختراعا ، بسبب وبدون سبب ، لأنها القوت الذي يقتاتون عليه ، ولا يستطيعون العيش بدونه !!!
إن أسوأ مافي الشخصية ( النرجسية ) ليست ( الأنانية ) و لا ( النفعية ) ولا ( الكبر ) ولا ( الغرور ) ولا
( الصدامية ) ، وحسب ، بل تصورهم أنهم قادرون على
( إعادة تشكيل العالم ) و ( تفصيل البشر ) على أمزجتهم ، وطبقا لهواهم ، وبالتالي فهم دائما مصدر أزمات ومشكلات وصراعات وحروب مع انفسهم ، ومع العالم ومن ثم يمكن أن تصفهم ب ( السادية )
و( المازوخية ) أيضا فهم ، سواء يدرون أو لا يدرون مدمنون لتعذيب أنفسهم والآخرين ، تحت شعار
( نفسي وبعدها الطوفان ) سواء اعترفوا أم انكروا .
الخطير جدا هو أن الرغبة في اعادة تشكيل العالم وتفصيل البشر ، على المزاج وطبقا للهوى ، فيه نوع من الاعتراض على قدر الله وقضائه في خلقه ، وهذا شرك خفي ، والمشرك شركا جليا أو خفيا ، حتى لو لم يعلم يعيش في جهنم ، وإن ملك العالم كله ، هنا قبل هناك والعياذ بالله .
هؤلاء الترجسيون الساديون المازوخيون إذا خالفوا سلوكهم هذا ولو لساعة واحدة أو ليوم واحد على خلاف طبيعتهم ، يملأون الدنيا منا وأذي ، حيث يعتبرون ذلك تنازلا ومكرمة جادوا بها على الآخرين ، لأنهم يحاسبون كل البشر ولايحاسبون أنفسهم أبدا ، وكأنهم فوق مستوى البشر ، بينما لو سألتهم من أنتم وماذا قدمتم للناس وللعالم ، بل لأنفسكم ، غير الأزمات والمشكلات والصراعات والحروب ، وبالتالي الشقاء والتعاسة والشك والريبة والعزلة والخسارات المتتالية ؟ ما وجدوا شيئا يقولونه .
انهم القوم الذين يعطون أنفسهم حقوقا ليست لهم ويعتبرون أدنى اعتراض من الآخرين على ذلك ، ولو بدون قصد ، اعتداء عليهم وعلى ذواتهم المقدسة .
في الوقت نفسه قد تجدهم ، رغم شركهم الخفي هذا الذي هو وقود جهنم التي يعيشون فيها ، متمسكين ظاهريا بتدين شكلي حرفي نصي انتقائي ، ويعطون أنفسهم كامل الحق في إصدار الأحكام القاطعة ، التي لامراجعة ولا رجعة فيها ، على بقية خلق الله ، بغير علم أتاهم ، ولا كتاب مبين ، وهذا وجه آخر من أوجه الشرك الخفي ، حيث يشاركون الله تعالى خاصية العلم بما في عقول وقلوب ونيات الآخرين ، ومحاكمتهم ، ليس بقوانين الله ، ولو حتى كما يفهمونها ، بل طبقا لقوانينهم الخاصة التي ما انزل الله بها من سلطان .
هذا الداء القاتل الذي يمنع من يصاب به من الاستقرار والسكينة فضلا عن السعادة ، مهما فعلوا ، لا علاج له إلا البراءة والتوبة من شركهم الخفي هذا ، واستخدام عقولهم لإلجام نفوسهم ، والتوقف عن اصدار الاحكام على الناس ، والتعامل معهم على ماهم عليه ، وليس كما يريدونهم أن يكونوا .
هذا المرض النفسي يحتاج مجهودات عقلية جبارة للتغلب عليه ، ويقين لايتزعزع بأنه مامن بشر مخول باعادة تشكيل العالم والسيطرة على البشر ، لا رسول ولا نبي ولا ولي ، فقد قيل لسيد الخلق ، عليه وعلى آله وصحبه وتابعيه أضعافا مضاعفة قدر قدر الله
( لست عليهم بمصيطر)
وقيل له ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) وقيل له ( لاتقفوا ماليس لك به علم )
وقيل له ( أن الحكم إلا لله ) .
إن إعادة مراجعة الموقف العقائدي ، والالتزام بمقتضياته اليقينية ، داخليا قبل خارجيا ، من قبل هؤلاء المساكين المناكيد ، الذين تسعبدهم نفوسهم الأمارة بالسوء ، ويتلاعب بهم الشيطان الرجيم وجنوده الملاعين ، هو الطريق الوحيد للخروج من هذا الجحيم والاستراحة ، ولو مؤقتا ، على ( الأعراف ) ، لالتقاظ الأنفاس ، فضلا عن دخول جنة القناعة والرضا والتوكل والتسليم والتفويض ، هنا قبل هناك .

