السيولة والأمان الاقتصادي
كتب – السيد عبد الحي
تُعدّ السيولة مصطلحًا شائعًا ومتداولًا بين مختلف فئات المجتمع، بغضّ النظر عن اختلاف المستويات الثقافية أو العلمية، أو طبيعة النشاط الاقتصادي، إذ تدور غالبًا حول مفاهيم ومسميات متعارف عليها بين الناس.
وتشير السيولة إلى القدرة على شراء الأصول وبيعها بكميات كبيرة دون تكبّد خسائر، وهو مفهوم ينطبق على مختلف الأنشطة الاقتصادية. ومن هنا ارتبط عمق الأسواق وقوة الأنشطة الاقتصادية بمستوى السيولة المتداولة فيها.
فعلى سبيل المثال، فإن تحرّك أسعار السلع داخل نطاق محدد من العرض والطلب يُعبّر عن استقرار السيولة في السوق، بينما تعكس زيادة الطلب على العرض – في الظروف الطبيعية – ارتفاع مستوى السيولة مقارنة بالمعروض، والعكس صحيح. وبذلك يُعدّ مؤشر السيولة من أهم المؤشرات الاقتصادية التي نتعامل معها في حياتنا اليومية، سواء على المستوى الشخصي، أو على مستوى المنشآت والشركات التجارية والصناعية، أو على صعيد القطاعات الاقتصادية والاقتصاد ككل.
وفي المفهوم البسيط، تعني السيولة القدرة على الوفاء بالالتزامات دون تحمّل تكاليف إضافية. ومهما اختلفت أهداف السيولة، فإنها تمنح رؤية إيجابية للاستمرار وتحقيق قدر من الأمان النسبي.
في أسواق المال، تتباين أحجام التداول بين القطاعات والشركات المدرجة وفقًا لطبيعة السوق وحجم السيولة، مع الأخذ في الاعتبار نتائج الشركات والمؤثرات الداخلية والخارجية المؤثرة في السوق.
أما في القطاع العقاري، فتتفاوت مستويات السيولة تبعًا لدرجة الاستقرار السياسي والاقتصادي، ووفق معايير تميّز مناطق الاستثمار العقاري، والتي تشمل طبيعة الموقع وجودة الخدمات والدعم الاستراتيجي. كما يُعدّ عنصر الثقة من أهم معايير الاستثمار وتحديد السعر العادل، بينما تعكس الفجوة بين أسعار الشراء والبيع حالة انحصار نسبي للسيولة العقارية أو تجمّدها داخل منظومة يصعب تسييلها بسعر عادل.
وفي النشاط التجاري، تمثل سرعة دوران السيولة عنصرًا بالغ الأهمية، ليس فقط لتغطية المصروفات والتكاليف التشغيلية، بل أيضًا للوفاء بالديون ومستحقات الموردين، وتلبية متطلبات الاستثمار، حيث تتسع دائرة النشاط تبعًا لحجمه وتنوع منتجاته ومخرجاته.
ورغم الأهمية البالغة للسيولة في جميع الأنشطة الاقتصادية، فإنها وحدها لا تمثل ضمانة للاستمرار، إذ إنها وعاء قابل للنضوب بمرور الوقت. لذا ترتبط كفاءة السيولة بالقدرة على تشغيلها أو استثمارها وفق نسب مخاطر تتناسب مع طبيعة الاستثمار، وبما يحقق دخلًا أو عائدًا متوازنًا مع مستوى المخاطر.
وتُعبّر إدارة السيولة عن الاستثمار الأمثل لها في أفضل الأوعية والمنتجات المتوافقة مع طبيعتها، بما يحقق أقصى استفادة ممكنة منها. وإذا كانت السيولة تهدف في الأساس إلى الوفاء بالالتزامات، فإن إدارة السيولة تتوسع أهدافها لتشمل تعظيم العائد، وتنظيم المخاطر، وتحقيق معدلات نمو إيجابية.
وتُعدّ الودائع البنكية وأوعية الادخار المصرفية من أبسط وأأمن أدوات إدارة السيولة، نظرًا لانخفاض مؤشرات المخاطر النسبية في القطاع المصرفي.
أما في الأنشطة التجارية والصناعية، فتتعدد المخاطر وتتباين متطلبات الإدارة تبعًا لحجم النشاط وطبيعته وبيئة الاستثمار وحجم السوق ومستوى المنافسة، ما يجعل الإدارة فنًا استراتيجيًا لحماية السيولة، وتحقيق عوائد إيجابية – وفق معادلة العائد والمخاطر – تفوق عوائد القطاع المصرفي.
وتتعدد معايير الإدارة الناجحة، بدءًا من القدرة على التخطيط والتنظيم والرقابة، وصولًا إلى حسن إدارة الوقت والموارد، الأمر الذي يتطلب توافر مستويات مناسبة من الكفاءة العلمية والعملية، إلى جانب الخبرة المهنية في أي نشاط اقتصادي.
وداخل الشركات، تهدف الإدارة الناجحة للسيولة إلى تحقيق كفاءة التدفق النقدي، من خلال زيادة تحصيل الإيرادات والديون المستحقة.
وفي المفهوم المحاسبي، يُقاس معدل السيولة بقدرة المنشأة على الوفاء بالالتزامات قصيرة الأجل (أقل من عام) باستخدام الأصول قصيرة الأجل، مثل النقدية والحسابات المدينة والمخزون. غير أن صعوبة تسويق بعض المنتجات في فترات معينة – نتيجة ظروف طبيعية أو غير طبيعية – تؤدي إلى استبعاد المخزون عند احتساب نسبة السيولة السريعة.
ولا يُعدّ ارتفاع معدل السيولة عن المعايير المتعارف عليها مؤشرًا إيجابيًا لأداء الإدارة إلا في حالات خاصة، مثل التحوّط من مؤثرات داخلية أو خارجية، بينما يعكس ذلك – في المفهوم العام – أحيانًا عدم كفاءة الإدارة في استغلال السيولة المتاحة.
وعلى مستوى الدول، ترتبط السيولة بقوة العملة المحلية وقدرتها الشرائية، إذ تتصل كفاءة السيولة بحجم الاقتصاد، والرؤية التوسعية، والقدرة على إدارة الاستثمار وجذب الاستثمارات الأجنبية، فضلًا عن الاستقرار السياسي والاقتصادي والمالي.
ولا تعكس أسعار الصرف دائمًا قوة الاقتصاد؛ فالولايات المتحدة الأمريكية والصين تتصدران الاقتصاد العالمي، رغم أن القوة الشرائية لعملتيهما أقل من عملات دول أخرى، وذلك نتيجة معايير أكثر أهمية، من بينها إدارة الإنتاج والقدرة التنافسية للمنتجات المحلية.
وفي هذا السياق، تسعى الحكومة المصرية إلى تعزيز الكفاءة المهنية للاقتصاد الوطني من خلال التحرير المرن لأسعار الصرف، في إطار محاولات إيجابية لتنشيط الدورة الاقتصادية. ورغم التحسن الملحوظ وارتفاع حجم الإنجازات الحكومية، التي تدعم قيمة العملة المحلية وفقًا لتقارير مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية، فإن الدولة تواصل جهودها لجذب السيولة الأجنبية وتنشيط القطاعات الاقتصادية الأخرى، مثل السياحة، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتنمية الصادرات عبر تحقيق تكلفة تنافسية للمنتج المصري.
وبذلك، فإن التحرك الحالي للعملة المحلية لا يُعدّ ضعفًا في حد ذاته، بل يعكس رؤية احترافية تهدف إلى تحقيق كفاءة اقتصادية، ودعم الأمان الاقتصادي، وتعزيز مسارات التنمية المستدامة في مصر.
