غياب القدوة
كتبت : الدكتورة مي العجمي
استشاري تعديل سلوك الأطفال والمراهقين
قد يرى البعض أن القدوة من رفاهيات الحياة، بينما يراها آخرون ضرورة ملحّة للأجيال الحديثة؛ إذ ترسم لهم ملامح المستقبل، فالحياة بلا قدوة خسارة للحاضر وضياع للمستقبل.
شاهدتُ منذ نحو شهر مسلسلًا عربيًا على شاشة التلفاز يناقش بعض المشكلات النفسية لدى طلاب وشباب الجامعات. وكان من بين هذه المشكلات علاقة الأبناء بأمهاتهم، ولا سيما الأمهات المطلقات وما يعانينه من ضغوط ومشكلات نفسية، الأمر الذي ينعكس بدوره على علاقتهن بأبنائهن. كما تناول العمل بعض الإشكالات داخل الأسر المرتبطة بعلاقة الآباء بأبنائهم، والتي تفتقر إلى القدوة السليمة وإلى إقامة حوار فعّال بين الآباء والأبناء.
وفي هذا السياق، يمكننا القول إن الإنسان يتعلّم العدل ويُقدّر الحق، ويبحث عن الجمال إذا نشأ في أرض طيبة وأبٍ صالح، وأمٍ مؤمنة، ومجتمعٍ يحفظ كرامته.
فهناك مجتمعات تصون كرامة أبنائها، وأخرى تستبيح آدمية البشر، والفرق بينهما هو وجود القدوة الصالحة.
ومن أجمل ما قد يصادفه الإنسان في حياته أن يجد قدوة طيبة؛ قد تكون أبًا صالحًا أو أمًا مترفعة، وقد تتجسد في رمز من رموز التاريخ، أو في حكاية عن عصر من الرقي وزمن من الأخلاق. وهناك أسر تصنع القدوة وحين تغيب القدوة تتراجع قيمة الإنسان أمام القيم الزائفة والعملات الرديئة.
فالقدوة تمنح الحياة الجلال والرقي والأخلاق، ومن هنا يمكننا تحديد دور وسائل الإعلام في إبراز النموذج أو القدوة التي يراها الأبناء رمزًا يمكن الوصول إليه أو التشبه به. لذا، لا بد أن يحدد الأبناء أهدافهم الحياتية والمستقبلية، وأن يخططوا لهويتهم منذ الصغر، بمصاحبة آبائهم، مع وضع نموذج أو قدوة صالحة يقتدون بها.
ومنذ فجر التاريخ، كانت لنا في القدوة أمثلة عظيمة على رأسها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وكذلك شخصيات بارزة في التاريخ من العلماء والمفكرين والمؤرخين والمخترعين وغيرهم. فالقدوة هي التي تصنع الحضارة.

