recent
أخبار ساخنة

روحٌ من الأضداد

 روحٌ من الأضداد



بقلم : ندى سمير

روحُ المرء روحٌ تثيرها المتضادات، تشتمل على التناقض بين طياتها؛ فتراك تحبّ الوحدة وتشتهي الرفقة، وتشقى بالعمل وتبغض الفراغ، وتتشاءم كثيرًا لكنك ترغب بالأمل، وتهاب الحميمية وتتشكّى غياب الاهتمام، وتودّ المساعدة وتخشى المَنّ.


وها هي حياتك تتأرجح بين الصلابة والوهن، بين لحظاتٍ رغبتها ولحظاتٍ ترغب بها وتخشى قبولها؛ أمنياتٌ تتوق لها وجزءٌ منك يرفضها، تعيش حياةً متذبذبة بينك أنت وأنت الآخر.


تظن أحيانًا أن عقلك وقلبك متعارضان، لكن شخصياتك هي المتعارضة؛ داخلك روحُ فنانٍ وروحُ عاملٍ مقدام. 

تشعر بألف شعورٍ في آنٍ واحد، لكنك لا تعتمد سوى واحدٍ، فتقيّد إنسانيتك لتناسب حُلّتَك التي صنعتها ومستقبلك الذي رسمته، والذي قد لا يكون أنت حقًا؛ إنما ما يريده الناس، وما تريده العائلة، وما يريده المدير.


لكن لست أنت بشغفك وصراعاتك ومعاناتك الداخلية وهواياتك الجمّة؛ بل تجد أنك ذلك الذي يشاؤونه ولا تشاؤه، فتأسر هويتك، لأن الخوف من حقيقتك عارمٌ.


لا أدري لِمَ من السهل علينا دائمًا أن نُخيب آمالنا على أن نُخيب آمال الآخرين؛ نجعل رضاهم مُقدّمًا، بينما رضاك في آخر الصفوف. 

وربما لو تريّثت وسألت نفسك: من أكون؟ وماذا أريد حقًا؟ لوجدت أنك بعيدٌ تمامًا عن أنصاف الأنا، وأن طريقك بازغٌ أمامك، يترك لك مكانك ويدعوك—لو فقط تحرّر كلٌّ منا من خوف الحرية.


من الصعب علينا أحيانًا أن نشرح التضاد القابع فينا، أو أن نتفهّمه؛ لأنه ليس قابلًا للتبرير في كل حين. لست قالبًا منطقيًا دومًا، فأنت إنسان؛ تحب وتكره في ذات الوقت تكترث حينًا وحينًا لا. شعورك كالبحر في موجاته؛ لا تدري متى تعلو ومتى تهبط، سرعان ما يتغيّر ميلك وتغلب هوائيتك. فالقلب سُمّي قلبًا من التقلّب، والإنسان منذ بدء الخليقة سُكب فيه الخير والشر؛ نُفخت فيه روحُ الله وخُلِط بأديم الدنيا، فهو مشتّتٌ دومًا بين علّة السماء ودنوّ الأرض، بين نور الملاك وبياضه ونار الشيطنة وسوداويتها.


نعم، إنه أنت؛ أنت الإنسان مسقطُ كلّ الأوطان، وجامعُ كلّ خلاف، وحاوي كلّ غريبٍ وكلّ أليف. وما دمت على قيد الحياة ستظلّ مقيّدًا بعشوائيتك، بعبثيتك وأشتاتك ستظلّ روحًا من الأضداد تغوص في مكامنها ولا تصل.

google-playkhamsatmostaqltradentX