recent
أخبار ساخنة

آخت – برت- شمو وكيف استفاد المصرى القديم من تقسيم العام إلى ثلاثة فصول

"آخت – برت- شمو" كيف استفاد المصرى القديم من تقسيم العام إلى ثلاثة فصول


كتب ـ د. عبد الرحيم ريحان

أدرك المصري القديم منذ فجر التاريخ أن تنظيم الزمن هو أساس الاستقرار والنهضة فابتكر أحد أقدم النظم الزمنية في العالم يعتمد على دورة النيل وحركة النجوم والشمس فصنع بذلك تقويمًا يتجاوز قيمته الحسابية إلى أن يصبح أداة حضارية شاملة تدير الزراعة والعبادة والإدارة والطقوس الدينية.

وفى ضوء هذا يوضح الدكتور قاسم زكى أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة بجامعة المنيا وعضو اتحاد كتاب مصر أن قدماء المصريين أسسوا تقويمهم على حدثين محوريين:

فيضان النيل وهو ظاهرة سنوية كانت تبدأ غالبًا في شهر يوليو وتُعد أساس الحياة الزراعية وظهور نجم “سيريوس” (سوبديت) قبيل شروق الشمس مباشرة وهو ما يُعرف بالاحتراق النجمي وكان يتزامن تقريبًا مع بداية الفيضان.

من خلال هذا الترابط بين الأرض والسماء قسّم المصريون سنتهم إلى ثلاثة فصول رئيسية:

آخت (Akhet): فصل الفيضان.

برت (Peret): فصل الزراعة.

شمو (Shemu): فصل الحصاد.

كل فصل يتكون من أربعة أشهر مما يجعل السنة المصرية 12 شهرًا × 30 يومًا = 360 يومًا وأضافوا إليها 5 أيام نسِّيء (أيام إضافية) لتكمل 365 يومًا.

 

تقويم مدني شمسي

ينوه الدكتور قاسم زكى إلى ابتكار المصريون تقويمًا شمسيًا مدنيًا منذ عام 4240 ق.م، يُعتبر من أدق ما عرفه العالم القديم ومع أنه لم يراعِ السنوات الكبيسة (ربع اليوم الزائد) إلا أن دقة ربطه بالزراعة والطقوس جعلته صالحًا لعقود طويلة وقد استمر هذا التقويم مستخدمًا في مصر حتى الفترة القبطية ولا تزال أسماء أشهره مستخدمة حتى اليوم.

 

من أمثلة أشهر السنة المصرية:

• تحوت: نسبة لإله الحكمة.

• هاتور: نسبة للإلهة هاتور رمز الجمال.

• كهيك: موسم الترانيم والطقوس.

• أمشير: موسم الرياح.

وهكذا ارتبط كل شهر بظاهرة مناخية أو طقس ديني أو إله مقدّس مما أضفى على التقويم بُعدًا روحيًا وثقافيًا فريدًا.

 

المراسلات والطقوس

ولفت الدكتور قاسم زكى إلى أن التقويم لم يقتصر على تنظيم الحياة الزراعية بل دخل عميقًا في الطقوس الدينية فلكل عيد توقيت محدد ولكل شعيرة وقت معلوم وقد دوّنت المعابد جداول زمنية دقيقة تحدد مواعيد الاحتفالات والقرابين وتغيّرات الطقس وكان الكهنة يحتفظون بتقويم سري دقيق لحساب الزمن الفلكي والعبادات مستقل عن التقويم المدني.

واستخدم المصريون عدة أدوات مبتكرة لضبط الزمن وهى الساعة الشمسية (المزولة) لتحديد الوقت نهارًا من خلال الظلو الساعة المائية (الكلبسيدرا) لتقسيم ساعات الليل ورُبعية النجوم حيث اعتمدوا على طلوع 36 نجمًا لتقسيم السنة إلى أجزاء ليلية

تظهر هذه الأدوات أن المصريين لم يكونوا مجرد مراقبين للزمن بل مهندسين له.

ناتج إيمان فلسفي بأن الزمن ليس خطًا مستقيمًا فقط بل دورة كونية مقدّسة فقد كان الخلق يتم عبر “الزمن البدئي” والفيضان يُعيد شباب الأرض ودورة الشمس هي تجسيد لحياة الآلهة لقد أضفى المصريون على الزمن بُعدًا أسطوريًا مقدسًا وجعلوا منه جزءًا من العقيدة.

 

التقويم المصري في الحضارات

اختتم الدكتور قاسم زكى بأن الإغريق والرومان لاحقًا تأثروا بالتقويم المصري وظهر ذلك في المحاولات الأولى لتقويم “يوليوس قيصر” الذي استعان بعلماء مصريين لتحديد طول السنة بدقة كما استمر استخدام التقويم المصري في التقويم القبطي ولا يزال يُستخدم في الشؤون الزراعية حتى اليوم في ريف مصر.

لم يكن التقويم في مصر القديمة مجرد تقنيات حسابية بل كان نظامًا شاملًا يربط الطبيعة بالسماء والزراعة بالدين والإدارة بالفلك والحياة بالخلود وفي كل يوم جديد كان المصريون يحتفلون بالزمن لا كعدو بل كحليف… صاغوا من لحظاته فنًا للحياة وعبقريةً خالدة.
google-playkhamsatmostaqltradentX