بقلم: سلسبيل حمد
ليس كل طالب يثير المشكلات عبئًا على مدرسته وحده، فهناك طالب آخر يدفع ثمن هذه المشكلات يوميًا، دون أن يكون طرفًا فيها. إنه الطالب الهادئ الذي تربى على احترام الآخرين، وتعلم أن الشتائم ليست وسيلة للتعبير، وأن الاعتداء على زميله ليس دليلًا على القوة، لكنه يجد نفسه أحيانًا وسط بيئة مدرسية لا تشبه ما اعتاد عليه في بيته.
في كثير من المدارس، لم تعد معاناة المعلم وحده مع السلوكيات العدوانية والمشاغبات المتكررة، بل امتد أثرها إلى الطلاب الملتزمين، الذين يذهبون إلى المدرسة طلبًا للعلم، فيجد بعضهم نفسه مضطرًا للتعامل مع ألفاظ جارحة، ومواقف تنمر، واعتداءات لفظية أو جسدية، وسلوكيات لم يألفوها داخل أسرهم.
المشكلة أن الطالب المؤدب لا يجيد دائمًا الدفاع عن نفسه بالطريقة التي يفرضها عليه محيطه. فقد يختار الصمت بدل الدخول في مشاجرة، ويتجنب الرد على الإساءة حتى لا يتورط في مشكلة، لكن هذا السلوك قد يجعله في نظر بعض زملائه هدفًا سهلًا للمضايقات، خصوصًا عندما يغيب الردع الحقيقي.
خلف هذا الطالب أسرة بذلت جهدًا طويلًا في تربيته، وأم تتابع تفاصيل يومه، وأب يحاول أن يغرس فيه احترام الآخرين، وبيت يعلّمه أن الاختلاف لا يبرر الإهانة، وأن القوة الحقيقية ليست في تخويف من حوله. لكن ما تبنيه الأسرة على مدار سنوات قد يتعرض للاهتزاز عندما يجد الطفل نفسه في محيط يتعامل فيه بعض زملائه بمنطق مختلف تمامًا.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف أمامها: الأسرة التي تخشى على ابنها من رفقة السوء، وتحرص على تعليمه حسن التصرف وضبط النفس، قد تجد نفسها عاجزة عن حمايته من سلوكيات يواجهها داخل المكان الذي يفترض أن يتعلم فيه، ويشعر بالأمان.
ولا يعني ذلك أن المدارس أصبحت جميعها بيئات طاردة للسلوك المحترم، أو أن كل طالب مشاغب مشروع بلطجي، فالأطفال يختلفون في طباعهم وظروفهم، وبعض السلوكيات تحتاج إلى احتواء وتوجيه قبل العقاب. لكن التغاضي عن الإيذاء المتكرر، أو التعامل معه باعتباره مجرد شقاوة أطفال، يترك أثرًا لا يستهان به في نفوس الطلاب الذين يتعرضون له.
كما أن المعلم نفسه لا ينبغي أن يُترك وحيدًا في مواجهة هذه السلوكيات؛ فالفصل الذي يفقد فيه المدرس قدرته على ضبط النظام لا يتضرر منه المعلم فقط، بل يخسر فيه الطالب المجتهد حقه في التعلم بهدوء، ويصبح وقت الحصة مهددًا بالضياع بين المشاحنات ومحاولات السيطرة على الفوضى.
المطلوب ليس تحويل المدارس إلى أماكن للعقاب، ولا مطالبة الطفل الهادئ بأن يتخلى عن أخلاقه حتى يستطيع التعايش مع الآخرين، وإنما إيجاد بيئة تحمي الجميع، وتضع حدودًا واضحة للسلوك المؤذي، وتتعامل مع التنمر والاعتداء باعتبارهما مشكلات تستحق التدخل، لا مواقف عابرة ينبغي للطفل أن يتجاوزها بمفرده.
فالمدرسة ليست مسؤولة عن تعليم المناهج فقط، بل عن توفير مناخ يسمح للطالب بأن يتعلم دون خوف من زميله، وأن يحتفظ بالقيم التي تربى عليها دون أن يشعر بأنها نقطة ضعف.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغل إدارات المدارس وأولياء الأمور معًا: إذا كان الطالب الملتزم لا يجد الأمان داخل فصله، والطالب الذي يحترم الآخرين يضطر إلى تحمل إساءاتهم في صمت، فمن الذي نحميه داخل المدرسة، وما الصورة التي نريد أن يخرج بها أبناؤنا عن معنى الاحترام والقوة؟
