recent
أخبار ساخنة

إبداع قدماء المصريين الفلكي يتجلى في ظاهرة تعامد الشمس بمعبد أبو سمبل

 


كتب: د. عبد الرحيم ريحان

تحظى ظاهرة تعامد الشمس على المعابد المصرية برواج سياحي عالمي كبير، إذ تستقطب زوارًا من مختلف دول العالم يأتون خصيصًا لمشاهدة هذه الظاهرة الفلكية الفريدة. ومن هنا، تبرز أهمية استثمار هذه الأحداث في الترويج لنمط سياحي متخصص تحت مسمى «سياحة تعامد الشمس»، وإدراجه ضمن المقومات السياحية المتميزة في مصر، مع التعريف به في الأسواق السياحية العالمية لدى منظمي الرحلات الدوليين، باعتباره تجربة سياحية متفردة وقيمة ثقافية وحضارية استثنائية.

كما تبرز أهمية العمل على توثيق هذه الظواهر ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، لما تمثله من شواهد على براعة المصريين القدماء في علوم الفلك والهندسة والعمارة.

وترتبط ظواهر تعامد الشمس في مصر بعدد من المواقع الأثرية والدينية، من أبرزها معبدا أبو سمبل والكرنك، ومعبد قصر قارون بالفيوم، وكنيسة الملاك ميخائيل بمحافظة الشرقية فضلًا عن محاكاة الظاهرة في المتحف المصري الكبير.



معبدا أبو سمبل.. عبقرية هندسية تتحدى الزمن

يحتفي العالم سنويًا بظاهرة تعامد الشمس على معبد أبو سمبل، أحد أبرز المواقع الأثرية المصرية المسجلة على قائمة التراث العالمي منذ عام 1979، ضمن موقع «معالم النوبة من أبو سمبل إلى فيلة»، الذي يضم عددًا من المعابد الأثرية المهمة، من بينها معبد رمسيس الثاني بأبو سمبل ومعبد إيزيس بجزيرة فيلة.

وقد أمكن إنقاذ هذه المعالم من الغرق نتيجة إنشاء السد العالي بأسوان، من خلال حملة دولية كبرى أطلقتها منظمة اليونسكو خلال الفترة من عام 1960 إلى عام 1980، لنقل المواقع الأثرية المهددة إلى أماكن آمنة. وبلغت تكلفة الحملة نحو 80 مليون دولار وفق التقديرات التاريخية المتداولة، بمشاركة نحو 50 دولة، إلى جانب مساهمات من خبراء ومؤسسات دولية معنية بحماية التراث، من بينها المجلس الدولي للمعالم والمواقع «إيكوموس».

وكانت ظاهرة تعامد الشمس على معبد أبو سمبل تحدث في الأصل يومي 21 أكتوبر و21 فبراير من كل عام، إلا أن نقل المعبد وإعادة تركيبه في موقعه الجديد أدى إلى تغير موعدها، لتصبح يومي 22 أكتوبر و22 فبراير.

وخلال الظاهرة، تخترق أشعة الشمس الممر الأمامي لمدخل معبد رمسيس الثاني، الممتد لنحو 60 مترًا، حتى تصل إلى قدس الأقداس، حيث تضيء عددًا من التماثيل، من بينها تمثال الملك رمسيس الثاني جالسًا، وتمثال الإله رع حور آختي الذي يعلو رأسه قرص الشمس وثعبان الكوبرا، وتمثال الإله آمون. بينما يظل تمثال الإله بتاح بعيدًا عن أشعة الشمس، وهو ما ارتبط بالتفسيرات الدينية القديمة التي ربطته بالعالم السفلي.

وتستغرق الظاهرة نحو 20 دقيقة، وقد تمتد إلى 25 دقيقة، في مشهد يجسد دقة التصميم المعماري ومدى ارتباطه بحركة الشمس.

وتعددت التفسيرات المتعلقة باختيار هذين اليومين، فمنها ما يربطهما ببداية موسمين زراعيين مهمين، ومنها ما يذهب إلى ارتباطهما بمناسبتين في حياة الملك رمسيس الثاني، هما يوم مولده ويوم جلوسه على العرش، وهي تفسيرات متداولة لم يُحسم الاتفاق عليها بصورة قاطعة.

وبدأ تشييد مجمع معابد أبو سمبل نحو عام 1264 قبل الميلاد، واستمرت أعمال البناء قرابة 20 عامًا، حتى نحو عام 1244 قبل الميلاد، وكان المعبد الكبير معروفًا باسم «معبد رمسيس المحبوب من آمون».

ونُحت المعبدان في الجبل خلال عهد الملك رمسيس الثاني، في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، تخليدًا لذكراه وذكرى الملكة نفرتاري، وتعبيرًا عن قوة الدولة المصرية ومكانتها، كما ارتبط المعبد الكبير بتخليد ذكرى انتصار رمسيس الثاني في معركة قادش.

وفي القرن التاسع عشر، تمكن المستكشف الإيطالي جيوفاني بيلونزي من الوصول إلى المعبدين وإعادة اكتشافهما عام 1817، بعد أن ظلا مطمورين جزئيًا تحت الرمال. وتروي إحدى الروايات أن اسم «أبو سمبل» ارتبط بطفل محلي ساعد المستكشفين على الوصول إلى الموقع، فأُطلق اسمه على المعبد.

عبقرية المصريين القدماء في علوم الفلك

تكشف ظاهرة تعامد الشمس عن جانب مهم من المعرفة الفلكية والهندسية لدى المصريين القدماء، الذين راقبوا حركة الشمس والنجوم والأجرام السماوية، وربطوا بينها وبين حياتهم اليومية ومواسم الزراعة والطقوس الدينية.

واعتمد المصريون القدماء تقويمًا سنويًا قُسِّم إلى ثلاثة فصول، يضم كل فصل أربعة أشهر، هي فصل الفيضان «آخت»، وفصل بذر الحبوب والنمو «برت»، وفصل الحصاد «شمو».

كما ارتبطت الشمس بالمعتقدات الدينية المصرية القديمة، وكان الإله رع من أبرز آلهة الشمس، فيما تشير الشواهد التاريخية إلى اهتمام المصريين برصد النجوم والكواكب المعروفة في العصور القديمة، واستخدام الأدوات الشمسية في قياس الوقت، بما يعكس تطور معارفهم الفلكية وقدرتهم على توظيفها في العمارة وتنظيم الحياة الزراعية.



تعامد الشمس في الأقصر والفيوم

لا تقتصر ظواهر تعامد الشمس على أبو سمبل، إذ تشهد مصر ظواهر أخرى في عدد من المواقع الأثرية، من أبرزها معبد الكرنك بالأقصر ومعبد قصر قارون بمحافظة الفيوم، حيث تتعامد أشعة الشمس في 21 ديسمبر من كل عام.

ويقع معبد قصر قارون على بُعد نحو 65 كيلومترًا من مدينة الفيوم، جنوب غرب بحيرة قارون، ضمن نطاق مركز يوسف الصديق. ويرتبط المعبد بمدينة ديونيسيوس، التي نشأت في العصر البطلمي، ويرجع تاريخها إلى نحو القرن الثالث قبل الميلاد.

وشُيّد المعبد من الحجر الجيري، وارتبط بالعبادة المحلية للإله سوبك، الذي صُوِّر في هيئة تمساح، وكان من أبرز الآلهة المرتبطة بإقليم الفيوم.

وقد اكتشف الدكتور مجدي فكري ظاهرة تعامد الشمس على معبد قصر قارون، وبدأ الاحتفال بها عام 2010. وتستمر الظاهرة نحو 25 دقيقة، تتسلل خلالها أشعة الشمس عبر مدخل المعبد ومحوره المعماري، لتضيء المقصورة الوسطى في قدس الأقداس، ثم تنير المقصورة اليمنى، بينما تظل المقصورة اليسرى بعيدة عن الضوء، وفقًا للتفسير المتداول لتصميم المعبد وتوزيع مقاصيره.

كما تشهد منطقة معبد الكرنك بالأقصر تعامد الشمس في 21 ديسمبر من كل عام، في ظاهرة ترتبط بالاتجاهات المعمارية للمعبد وبالعلاقة بين حركة الشمس وتصميم المنشآت الدينية المصرية القديمة.



تعامد الشمس بكنيسة الملاك ميخائيل في الشرقية

امتدت ظواهر تعامد الشمس إلى عدد من المنشآت الدينية التي شُيدت في عصور لاحقة، ومن بينها كنيسة الملاك ميخائيل بقرية كفر الدير، التابعة لمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية، حيث تتجلى ظاهرة فلكية ذات طابع روحاني تجذب الزوار من المسلمين والمسيحيين.

وتُعد الكنيسة من المحطات المرتبطة بمسار العائلة المقدسة، ويعود تاريخها، وفقًا للروايات المتداولة، إلى القرن الرابع الميلادي.

وتشهد الكنيسة تعامد أشعة الشمس على ثلاثة مذابح في مناسبات محددة خلال العام؛ إذ تتعامد في الأول من مايو على مذبح القديس مار جرجس، وفي 19 يونيو على مذبح الملاك ميخائيل، وفي 22 أغسطس على مذبح السيدة العذراء.

غير أن ظاهرة تعامد الشمس على مذبح السيدة العذراء تأثرت نتيجة إقامة مبنى خرساني للخدمات الكنسية أمام واجهة الكنيسة عام 1984، ما أدى إلى حجب الأشعة عن المذبح.

المتحف المصري الكبير يحاكي ظاهرة أبو سمبل

وفي إطار استلهام عبقرية المصريين القدماء في التصميم الفلكي، نفذ فريق من المهندسين المعماريين والأثريين بالمتحف المصري الكبير محاكاة لظاهرة تعامد الشمس على تمثال الملك رمسيس الثاني.

وجرى وضع التمثال في البهو العظيم بالمتحف وفق زاوية تسمح بسقوط أشعة الشمس على وجهه في يومين محددين من العام، هما 21 فبراير و21 أكتوبر، وذلك في إطار فكرة طُبقت منذ عام 2021.

وتؤكد هذه الظواهر، الممتدة من أبو سمبل جنوبًا إلى الأقصر والفيوم والشرقية، أن الحضارة المصرية لم تقتصر على الإبداع في تشييد المعابد والآثار، بل قدمت نماذج متقدمة من التفاعل بين علوم الفلك والهندسة والعمارة والمعتقدات الدينية.

ومن ثم، فإن الاهتمام بالترويج لهذه المواقع ضمن برامج سياحية متخصصة، وتقديمها للعالم باعتبارها جزءًا من التراث الحضاري المصري، يمثل فرصة لتعزيز مكانة مصر السياحية وإبراز ما تزخر به من معالم فريدة تجمع بين العلم والتاريخ والجمال.

google-playkhamsatmostaqltradentX