كتب: د. عبد الرحيم ريحان
يقدم لنا عالم الآثار الإسلامية والقبطية، الأستاذ الدكتور حجاجي إبراهيم، الأستاذ المتفرغ بكلية الآداب جامعة طنطا، والحاصل على وسام فارس من إيطاليا، رؤية جديدة حول أشهر إبريق في العالم الإسلامي، وهو إبريق مروان بن محمد، المحفوظ بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة.
وأوضح الدكتور حجاجي إبراهيم أن الإبريق، المصنوع من البرونز والذي يُطلق عليه إبريق مروان بن محمد، يُعد تحفة فنية رائعة مشيرًا إلى أن الروايات المتداولة تقول إنه عُثر عليه بالقرب من مقبرة مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، في منطقة أبو صير الملق، التي تتبع إداريًا تارة محافظة بني سويف وتارة أخرى محافظة الفيوم.
وأضاف أن بعض التفسيرات ترى أن قمة الإبريق تنتهي بتاج ملكي وأن صنبوره يحمل تمثالًا لديك ذي دلالات زرادشتية فارسية
كما اعتبروا أن الشكل الموجود خلف رقبة الإبريق يمثل معبدًا زرادشتيًا، تخرج منه وردة تصل إلى رقبة الإبريق، بينما تظهر على بدنه حبات تشبه حبات المسبحة. ومن هنا جاء تصنيف الإبريق وفقًا لهذه الرؤية، باعتباره عملًا فنيًا ساسانيًا.
قراءة جديدة للرموز الموجودة على الإبريق
ويؤكد الدكتور حجاجي إبراهيم أن هذه التفسيرات تحتاج إلى إعادة نظر، موضحًا أنه لا توجد مقبرة لمروان بن محمد في أبو صير، إذ طارده الخليفة العباسي، وأعلن أن من يقتله يصبح واليًا على مصر، وهو ما تحقق بالفعل. ويتساءل: هل من المعقول أن يطارد خليفةٌ خليفةً آخر ويقتله بهذه الصورة؟
ويرى الدكتور حجاجي إبراهيم أن الإبريق ورثه مروان بن محمد عن جد جده، ملك ملوك الدولة الأموية عبد الملك بن مروان، باني قبة الصخرة، وأن صانعه كان فنانًا مسيحيًا ذكيًا، أراد أن يقدم له عملًا فنيًا يحمل دلالات رمزية، مستخدمًا أسلوب التورية في التعبير.
ويوضح أن وصف عبد الملك بن مروان بأنه «ملك الملوك» يحمل في قراءة الفنان، إشارة إلى السيد المسيح، وأن شكل الديك الموجود على صنبور الإبريق لم يوضع باعتباره رمزًا زرادشتيًا، بل يحمل دلالة مسيحية مرتبطة بالقديس بطرس، وفقًا لما ورد في الإنجيل.
ويضيف أن عبد الملك بن مروان كان يصلي عند سماع أذان الديك في أوقات الصلاة، وفقًا للرواية التي يستند إليها في تفسيره، بينما أراد الفنان أن يضفي على هذا الرمز دلالة أخرى مرتبطة بالقديس بطرس.
أما الشكل الموجود خلف رقبة الإبريق، والذي فُسّر سابقًا على أنه معبد زرادشتي، فيراه الدكتور حجاجي إبراهيم تصويرًا لرجل يلتف حوله ثعبان ذو قرنين، أحدهما أقصر من الآخر، وأعور، ويحاول طعن السيد المسيح، إلا أن الطعنة ترتد إليه وتكون نهايته.
دلالات المسبحة والأسد والعقود
وفي تفسيره للزخارف الأخرى، يشير الدكتور حجاجي إبراهيم إلى أن حبات المسبحة الموجودة على بدن الإبريق ترتبط، في رؤيته بكلمة «سبح» المصرية وبالرموز الهيروغليفية المصرية، معتبرًا أن الفرس عرفوا هذه الحبات من مصر، بعد احتلالها في الأسرتين السابعة والعشرين والثلاثين، وانتقلت إليهم باعتبارها أحد الموروثات الحضارية المصرية.
كما يلفت إلى وجود شكل أسد على الإبريق، ويرى أنه لا يرمز إلى الشجاعة المرتبطة بشخصية عبد الملك بن مروان، وإنما يشير إلى القديس مرقس، صاحب المكانة البارزة في التراث المسيحي المصري، وارتباطه بالكنيسة المرقسية.
ويشير كذلك إلى وجود ستة عقود أو أقواس تمتد من رقبة الإبريق إلى أسفله، موضحًا أنه عند قراءة رقبة الإبريق مع أحد العقود يمكن الوصول، وفقًا لتفسيره الرمزي، إلى حروف «I.C.I»، التي يربطها باسم يسوع المسيح.
المسبحة بين الدلالات المصرية والمسيحية والإسلامية
ويعود الدكتور حجاجي إبراهيم إلى تفسير كلمة المسبحة، موضحًا أنها، من وجهة نظره، ذات أصل مصري، وترتبط بالرموز الهيروغليفية التي تشير إلى الحبل المعقود، وأن الفرس نقلوا هذا الموروث عن مصر عقب احتلالها في الأسرتين السابعة والعشرين والثلاثين، ثم أصبح من السمات المعروفة لديهم.
ويضيف أن عدد حبات المسبحة لدى المسيحيين يرتبط، في تفسيره، بعمر السيد المسيح على الأرض، وهو 33 عامًا، كما يربط هذا العدد بما ورد عن نطق السيد المسيح في المهد 33 كلمة، بدءًا من قوله تعالى على لسانه: «إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيًا»، وصولًا إلى قوله: «ويوم أبعث حيًا».
أما في التراث الإسلامي، فيشير إلى ارتباط المسبحة بالعدد 99 وهو عدد أسماء الله الحسنى.
وهكذا يقدم الدكتور حجاجي إبراهيم قراءة مختلفة للرموز والزخارف الموجودة على إبريق مروان بن محمد، داعيًا إلى إعادة النظر في تفسير عناصره الفنية، والبحث في دلالاتها الحضارية والدينية، بعيدًا عن الاكتفاء بالتصنيفات الفنية التقليدية.

