بقلم: سلسبيل حمد
أعادت التطورات المتسارعة بين إثيوبيا وإريتريا ملف التوازنات الاستراتيجية في القرن الإفريقي إلى الواجهة، بعدما تصاعدت الاتهامات المتبادلة ووصل الخلاف إلى مجلس الأمن الدولي، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار التوتر إلى مواجهة أوسع في منطقة ترتبط أهميتها بأمن البحر الأحمر والمصالح الإقليمية والدولية.
ولا تتوقف أبعاد الأزمة عند التحركات العسكرية وحدها، بل تمتد إلى قضية الوصول إلى الموانئ البحرية، وحسابات الأمن القومي، ومستقبل العلاقات بين دولتين تجمعهما حدود مشتركة وتاريخ طويل من الصراع والتوتر.
البحر الأحمر.. مفتاح لفهم الأزمة
تكتسب قضية الوصول إلى البحر أهمية خاصة بالنسبة إلى إثيوبيا، التي أصبحت دولة حبيسة عقب استقلال إريتريا عام 1993، الأمر الذي جعل الوصول إلى الموانئ البحرية أحد الملفات المهمة في حساباتها الاقتصادية والاستراتيجية.
في المقابل، تمثل السيادة على الأراضي والموانئ مسألة حساسة بالنسبة إلى إريتريا، ما يجعل أي خلاف يتعلق بالوصول إلى البحر مرتبطًا بحسابات الأمن القومي والنفوذ الإقليمي.
لكن تعارض المصالح لا يعني بالضرورة أن المواجهة العسكرية أصبحت حتمية؛ إذ يظل الحوار السياسي والتفاهمات الإقليمية الطريق الأكثر أمانًا لمعالجة الخلافات، دون المساس بسيادة الدول أو تعريض استقرار المنطقة للخطر.
تيجراي.. جبهة تزيد المشهد تعقيدًا
تظل منطقة تيجراي إحدى أكثر نقاط التوتر حساسية، بعدما شهدت حربًا دامية بين القوات الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي خلال الفترة من 2020 إلى 2022.
ومع تصاعد الاتهامات الإثيوبية بشأن تحركات قوات إريترية داخل الأراضي الإثيوبية، تجددت المخاوف من اتساع نطاق الأزمة. وفي المقابل، نفت إريتريا الاتهامات الموجهة إليها، بينما لم تتمكن التقارير المتاحة من التحقق بصورة مستقلة من جميع التفاصيل الميدانية.
وتكمن الخطورة في احتمال تداخل التوترات الداخلية مع الخلافات بين البلدين، بما قد يجعل احتواء الأزمة أكثر صعوبة، خاصة في ظل هشاشة الأوضاع التي خلفتها الصراعات السابقة.
هل تمتد التداعيات إلى أمن الملاحة؟
يمثل البحر الأحمر ممرًا حيويًا للتجارة الدولية، ولذلك يثير أي تصعيد واسع في محيطه مخاوف بشأن الاستقرار الإقليمي وحركة التجارة.
ومع ذلك، من الضروري التمييز بين المخاطر المحتملة والوقائع الفعلية؛ فتصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا لا يعني بالضرورة تعطل الملاحة البحرية أو اندلاع حرب إقليمية شاملة.
وتظل التداعيات المحتملة مرتبطة بمدى اتساع المواجهة، ومواقف الأطراف الإقليمية والدولية، وقدرة التحركات الدبلوماسية على احتواء الخلاف قبل انتقاله إلى مرحلة أكثر خطورة.
المدنيون.. الخاسر الأكبر
بعيدًا عن الحسابات السياسية والاستراتيجية، يبقى المدنيون الأكثر عرضة لدفع ثمن أي مواجهة جديدة، خصوصًا في المناطق التي لم تتعافَ بالكامل من آثار الصراعات السابقة.
فعودة القتال قد تهدد حياة السكان، وتزيد الضغوط على الخدمات الأساسية والاقتصاد، وتعرقل جهود إعادة البناء والاستقرار، فضلًا عن احتمالات النزوح وتفاقم الاحتياجات الإنسانية.
ولهذا، فإن منع تجدد الصراع لا يمثل مصلحة سياسية فحسب، بل ضرورة إنسانية لحماية السكان من تكرار معاناة الحروب.
الخلاصة
تكشف الأزمة بين إثيوبيا وإريتريا عن تداخل معقد بين الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والأمن القومي، في منطقة تكتسب أهمية استراتيجية متزايدة، ولا تحتمل جولة جديدة من الصراعات.
ورغم خطورة التصعيد، فإن المواجهة ليست قدرًا محتومًا؛ إذ تظل الدبلوماسية قادرة على فتح طريق للتهدئة إذا توافرت الإرادة السياسية لمعالجة الخلافات واحترام سيادة الدول.
فاستقرار القرن الإفريقي لن يتحقق بفرض المصالح بالقوة، بل بإدارة الخلافات بحكمة، بما يحمي الشعوب ويصون أمن المنطقة ومستقبلها.
المصادر:
وكالة أسوشيتد برس (AP): تقرير حول اتهامات إثيوبيا لإريتريا وتصاعد التوتر بين البلدين، بتاريخ 10 أكتوبر 2026. "وكالة أسوشيتد برس – تطورات الأزمة" (https://reference-url-citation.invalid/0)
