بقلم : نيللي الحمزاوي
«من خامة في الأرض إلى مدينة تصنع الاقتصاد»
تبدأ الحكاية أحيانًا من محجر في قلب الجبل، حيث تُستخرج الأحجار، أو من مصنع تشتعل أفرانه لإنتاج الأسمنت، أو من خط إنتاج يتحول فيه الحديد إلى قضبان تحمل فوقها أعمدة المباني. لكنها لا تنتهي عند خروج المنتج من بوابة المصنع؛ فهناك رحلة أخرى تبدأ، تنتقل فيها المواد الخام إلى مواقع البناء، وتتحول إلى مساكن ومدارس ومستشفيات ومصانع وطرق وجسور ومدن كاملة.
وبين المصنع والمدينة، تتحرك شبكة واسعة من الأنشطة الاقتصادية تضم العمال والمهندسين والموردين والمقاولين وشركات النقل والخدمات اللوجستية ومكاتب التصميم والاستشارات ومؤسسات التمويل، إلى جانب المصانع التي تنتج آلاف المكونات التي قد لا يلاحظها المواطن عندما ينظر إلى مبنى مكتمل.
هنا تحديدًا تبدأ القصة التي نريد أن نرويها في سلسلة «هنا اقتصاد يُصنع»؛ فصناعة البناء والتشييد ليست مجرد عملية لإنشاء المباني، بل منظومة اقتصادية تبدأ من الأرض، وتمر بالإنتاج والتصنيع، وتنتهي بتحقيق قيمة مضافة وتوفير فرص العمل وجذب الاستثمارات، وقد تمتد إلى التصدير والمنافسة في الأسواق العالمية.
أولًا: خريطة القطاع... أكثر من الأسمنت والحديد
عندما نتحدث عن صناعة البناء والتشييد، فإننا نتحدث عن ثلاثة مستويات مترابطة، لكنها ليست شيئًا واحدًا.
المستوى الأول: الصناعات المنتجة لمواد البناء.
تبدأ هذه الصناعات من الموارد الطبيعية، مثل الحجر الجيري والرمال والطفلة والخامات المعدنية، وتمتد إلى الأسمنت والحديد والصلب والزجاج والسيراميك والطوب والرخام والجرانيت والألومنيوم والدهانات والأنابيب ومواد العزل والمواد اللاصقة والأدوات الصحية.
المستوى الثاني: الصناعات والمكونات المساندة.
وهي الصناعات التي تحول المواد الخام إلى منتجات ومكونات صالحة للاستخدام في مشروعات البناء. فالحديد لا يصل دائمًا إلى موقع البناء في صورته النهائية، إذ يمكن تشكيله وتصنيعه إلى قطاعات وهياكل ومكونات معدنية. كما يمكن معالجة الزجاج ليصبح مناسبًا للواجهات والنوافذ، وتحويل الخامات الكيميائية إلى دهانات وعوازل ومواد لحماية الأسطح. أما الرمال، فقد تدخل في صناعات متعددة وفقًا لخصائصها ودرجة نقائها وطرق معالجتها.
المستوى الثالث: نشاط التشييد والبناء نفسه.
ويشمل التصميم الهندسي، وإدارة المشروعات، وأعمال الحفر والأساسات، والإنشاءات، والتشطيبات، وشبكات المياه والصرف والكهرباء، والطرق والبنية التحتية، ثم التشغيل والصيانة.
هذه المستويات لا تعمل في جزر منفصلة؛ فكل مشروع بناء يخلق طلبًا على منتجات وخدمات من قطاعات متعددة، وكل مصنع ناجح يحتاج إلى سوق قادر على استيعاب إنتاجه، وكل مدينة تتوسع تحتاج إلى منظومة متكاملة من المواد والمرافق والخدمات.
ولهذا، فإن قياس أهمية القطاع بعدد المباني التي شُيّدت فقط لا يكفي؛ إذ يجب أن نسأل أيضًا: كم مصنعًا يغذي هذه المشروعات؟ وكم منتجًا محليًا يدخل في تكوينها؟ وما حجم القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد المصري؟
ثانيًا: ماذا تقول الأرقام عن السوق المصرية؟
تعكس المؤشرات الرسمية أهمية قطاع التشييد والبناء في النشاط الاقتصادي المصري. ووفقًا للمؤشرات الاقتصادية المنشورة على بوابة الهيئة العامة للاستعلامات، سجل نشاط التشييد والبناء نموًا حقيقيًا بلغ 4.1% خلال العام المالي 2024/2025.
وخلال العام المالي نفسه، ارتفعت مبيعات الأسمنت إلى 44.8 مليون طن، مقابل 40.5 مليون طن في العام المالي السابق، بينما زادت مبيعات الحديد إلى 6.9 مليون طن، مقارنة بنحو 6.8 مليون طن.
وتمنحنا هذه الأرقام نقطة بداية لفهم حجم حركة السوق، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فمبيعات الأسمنت لا تساوي بالضرورة حجم الإنتاج المحلي، كما أن مبيعات الحديد لا تعكس وحدها حجم الاستهلاك النهائي في المشروعات، إذ تتأثر حركة السوق بالمخزون والتجارة وتوقيت البيع وطبيعة الاستخدام.
ومع ذلك، فإن ارتفاع المبيعات يوضح أن مواد البناء ليست منتجات هامشية في الاقتصاد، بل مدخلات أساسية تتأثر بحركة الإنشاءات والاستثمار والطلب على الإسكان والبنية التحتية.
وعلى صعيد التصدير، أظهرت بيانات الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات أن صادرات قطاع مواد البناء بلغت نحو 13.67 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025، بزيادة قدرها 39% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
كما أشار تقرير وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية عن أداء التجارة الخارجية في عام 2025 إلى أن قيمة صادرات قطاع مواد البناء بلغت نحو 14.88 مليار دولار خلال العام.
لكن من المهم هنا التمييز بين قطاع مواد البناء بوصفه تصنيفًا تصديريًا واسعًا، ونشاط التشييد المحلي، وصادرات منتج بعينه مثل الأسمنت أو الحديد أو السيراميك. فهذه المؤشرات ليست متطابقة، ولا يجوز جمعها باعتبارها قيمًا منفصلة من دون مراجعة التصنيفات؛ حتى لا تتكرر حسابات بعض المنتجات أو تُنسب إلى صناعة واحدة أرقام تخص مجموعة أوسع من الصناعات.
والسؤال الأهم ليس فقط: كم نصدر؟ بل أيضًا: ماذا نصدر؟ هل نبيع مواد أولية ومنتجات أساسية، أم ننجح كذلك في تصدير منتجات مصنّعة أعلى قيمة، وحلول هندسية، وخدمات التصميم والإدارة والتنفيذ؟
ثالثًا: رحلة المنتج... من باطن الأرض إلى موقع البناء
لفهم طبيعة القطاع، تخيلوا رحلة تبدأ بالحجر الجيري المستخرج من المحاجر.
تُنقل الخامة إلى المصنع، وتدخل مراحل المعالجة والإنتاج، وقد تصبح جزءًا من صناعة الأسمنت. ثم ينتقل الأسمنت إلى محطات الخرسانة أو مواقع العمل، حيث يدخل مع الرمل والسن والمياه في إنتاج الخرسانة. وتُستخدم الخرسانة مع الحديد في تنفيذ الأساسات والأعمدة والأسقف، وفقًا للتصميم الهندسي ومتطلبات المشروع.
وفي الوقت نفسه، تسير رحلات أخرى بالتوازي؛ فرمال تدخل في صناعة الزجاج بعد المعالجة المناسبة، وخامات تدخل في صناعة السيراميك، ومعادن تتحول إلى منتجات وقطاعات معدنية، ومواد كيميائية تُستخدم في الدهانات والعزل، ومكونات تُصنع لتجهيز الأبواب والنوافذ والواجهات وشبكات المياه والصرف.
تمثل كل حلقة في هذه السلسلة نشاطًا اقتصاديًا مستقلًا، لكنها تكتسب جزءًا من قيمتها من ارتباطها بالحلقات الأخرى.
وهنا يظهر الفرق بين اقتصاد يكتفي باستخراج الخامة وبيعها، واقتصاد يطوّرها ويصنّعها ويحوّلها إلى منتج نهائي، ثم يضيف إليها التصميم والجودة والخدمات.
فكلما زادت قدرة الصناعة المحلية على إتمام مراحل أكثر من سلسلة القيمة، زادت فرص الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل الاقتصاد، مع مراعاة أن ذلك يتوقف أيضًا على تكاليف الطاقة والنقل والتمويل والتكنولوجيا وكفاءة التشغيل.
رابعًا: من المصنع إلى المدينة... من يستفيد من كل مشروع؟
قد يرى المواطن في المشروع مبنى جديدًا أو طريقًا أو منطقة عمرانية، لكن خلف هذا المشهد توجد شبكة واسعة من العاملين والمنتجين ومقدمي الخدمات.
هناك عامل المحجر، وفني المصنع، ومهندس الجودة، وسائق الشاحنة، ومورد قطع الغيار، ومصمم الواجهات، ومهندس الموقع وفريق السلامة، وشركة المقاولات، ومورد مواد التشطيب.
وهناك أيضًا أنشطة أقل ظهورًا، مثل الاختبارات المعملية، والصيانة الصناعية، والبرمجيات الهندسية، وإدارة المشتريات، والتخطيط اللوجستي.
وتشير بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، الواردة في مذكرة عن الناتج المحلي، إلى أن قطاع التشييد استوعب نحو 3.8 مليون عامل، بما يعادل 11.8% من إجمالي المشتغلين، خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026.
ويعطي هذا المؤشر لمحة عن البعد التشغيلي للقطاع، لكنه لا يشمل بالضرورة جميع العاملين بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الصناعات التي تمد مواقع البناء بمدخلاتها؛ فالعاملون في مصانع الأسمنت والزجاج والحديد، على سبيل المثال، قد يُصنَّفون ضمن الأنشطة الصناعية، وليس ضمن نشاط التشييد.
وهنا تتضح أهمية النظر إلى المنظومة كاملة. فنجاح قطاع البناء لا يُقاس بعدد المشروعات وحده، بل أيضًا بقدرته على خلق وظائف مستدامة، ورفع مهارات العمالة، وتطوير الموردين المحليين وتحسين جودة المنتجات، وتوسيع قاعدة التصنيع.
خامسًا: أين تكمن الفرصة الاستثمارية؟
لا تقتصر الفرص الاستثمارية على إنشاء مصانع جديدة للأسمنت أو الحديد؛ فالقطاع واسع، وتختلف احتياجاته باختلاف السوق والتكنولوجيا ومستويات الجودة.
قد تظهر الفرص في مواد العزل الحراري والصوتي، والزجاج المعالج، والمنتجات المعدنية الجاهزة للتركيب، ومكونات الواجهات، والمواد الكيميائية المتخصصة، والأنابيب، ومواد التشطيب، وإعادة تدوير مخلفات البناء والهدم، وأنظمة البناء سابقة التجهيز.
وقد تكمن الفرصة في خدمة صناعية لا تقل أهمية عن المنتج نفسه، مثل معامل الاختبار والاعتماد، وصيانة خطوط الإنتاج وحلول ترشيد الطاقة، وأنظمة إدارة المخزون، والنقل المتخصص والتصميم الرقمي، وإدارة المشروعات.
لكن تحديد الفرصة الأفضل يتطلب دراسة السوق الفعلية، وحجم الطلب، والمنافسة، وتكلفة الطاقة والتمويل، ومدى الاعتماد على المدخلات المستوردة، والاشتراطات الفنية والبيئية، وفرص التصدير. فوجود احتياج صناعي لا يعني تلقائيًا أن أي استثمار في هذا المجال سيكون مربحًا.
والسؤال الذي يجب أن يسبق قرار الاستثمار هو: ما الحلقة التي يحتاج إليها السوق، ويمكن للصناعة المصرية أن تنتجها بجودة تنافسية وتكلفة مناسبة؟
سادسًا: هل نبيع مواد البناء فقط... أم نصدر خبرة البناء؟
تمتلك مصر قاعدة متنوعة من الصناعات والموارد البشرية، كما أن خبراتها في الإنشاءات والبنية التحتية يمكن أن تفتح المجال للتوسع في الأسواق الخارجية.
لكن المنافسة لا تعتمد على السعر وحده؛ فالمشترون يبحثون عن الجودة، والالتزام بالمواعيد، والمواصفات المعتمدة، وتكلفة النقل والقدرة على توفير الكميات المطلوبة بصورة مستقرة.
ومن هنا يمكن توسيع مفهوم التصدير؛ فإلى جانب الأسمنت والحديد والسيراميك والرخام والزجاج والمنتجات المعدنية، توجد خدمات التصميم الهندسي، وإدارة المشروعات، والمقاولات والاستشارات الفنية، والتكنولوجيا المستخدمة في البناء.
ولا يعني ذلك أن جميع هذه المجالات جاهزة بالقدر نفسه للمنافسة الخارجية، بل إنها مسارات تستحق التقييم، كلٌّ وفقًا لقدرات الشركات المصرية ومتطلبات الأسواق المستهدفة.
فالهدف الأكبر ليس مجرد زيادة صادرات منتج منفرد، وإنما بناء منظومة تستطيع الجمع بين الصناعة والخبرة والخدمات، وتقديم قيمة متكاملة للعميل الخارجي.
سابعًا: التحدي... كيف نبني بكفاءة أكبر؟
مع اتساع احتياجات الإسكان والبنية التحتية، تزداد أهمية التفكير في تكلفة البناء طوال عمر المبنى، وليس في تكلفة إنشائه وحدها.
فالمواد التي تقلل استهلاك الكهرباء، والتصميم الذي يستفيد من الإضاءة والتهوية الطبيعية، وتقنيات تقليل الهدر في مواقع العمل وإعادة استخدام بعض مخلفات البناء بعد معالجتها وفقًا للمعايير المعتمدة، كلها عوامل تؤثر في تكلفة التشغيل وكفاءة استخدام الموارد.
وتبرز كذلك تقنيات البناء خارج الموقع، مثل الخرسانة مسبقة الصب والمكونات الجاهزة، التي يمكن أن تقلل زمن التنفيذ والهدر في ظروف مناسبة. لكنها تحتاج إلى تصميم وتخطيط ونقل وتجهيزات ومعايير جودة تتوافق مع طبيعة المشروع؛ لذلك لا توجد تقنية واحدة تصلح تلقائيًا لجميع أنواع المباني.
إن مستقبل القطاع لا يتوقف على إنتاج مزيد من المواد فحسب بل يعتمد أيضًا على إنتاج مواد أفضل، واستخدامها بكفاءة، وتقليل الفاقد، وربط الصناعة باحتياجات المشروعات الفعلية.
الخريطة التي سنرسمها في «هنا اقتصاد يُصنع»
خلال هذا الشهر، لن نتعامل مع صناعة البناء والتشييد باعتبارها قائمة من المنتجات، بل باعتبارها سلسلة اقتصادية متصلة.
سنبدأ من الأسمنت: كيف تتحول الخامات إلى مادة أساسية في بناء المدن؟ ثم ننتقل إلى الحديد والصلب، ونفهم علاقتهما بالإنشاءات والتكنولوجيا والتكلفة. وبعدهما، سنفتح الملف الأوسع للصناعات التي لا نراها دائمًا في المبنى، من الزجاج والسيراميك والألومنيوم إلى العزل والدهانات والأنابيب ومواد التشطيب.
وسنتوقف عند السؤال الذي يربط المصنع بموقع العمل: أين تُصنع القيمة، وأين يُهدر الوقت والمال؟ ثم ننتقل إلى البناء الحديث والأخضر، وفرص التصدير، وإمكانية الانتقال من بيع مواد البناء إلى تقديم منتجات وخدمات وحلول متكاملة للأسواق الخارجية.
وفي كل محطة، سنبحث عن الأرقام التي تشرح حجم الصناعة
وعن المصنع الذي يحوّل الخامة إلى منتج، والعامل الذي يقف خلف خط الإنتاج، والمستثمر الذي يرى فرصة، والتجارب العالمية التي يمكن أن نتعلم منها، دون تجاهل اختلاف ظروف السوق المصرية.
لأن المدينة لا تبدأ عندما يرتفع أول عمود، بل قبل ذلك بكثير؛ تبدأ من خامة تُستخرج، وفكرة تُصمَّم، ومصنع يُنتج، وعامل يتقن عمله، وسلسلة إمداد تنجح في إيصال كل شيء إلى المكان الصحيح وفي الوقت المناسب.
وهذه هي الخريطة التي نريد أن نقرأها معًا: من المصنع إلى المدينة، ومن المادة إلى القيمة، ومن البناء إلى الاقتصاد.
سؤال العدد
إذا كانت مصر تمتلك قاعدة متنوعة من مواد البناء، وسوقًا محلية واسعة، وخبرات في تنفيذ المشروعات، فما الحلقة التي ينبغي تطويرها أولًا للانتقال من بيع المنتجات الأساسية إلى صناعة أعلى قيمة وقدرة أكبر على المنافسة؟
