أُقدِّم لهذا المقال النقدي للذات بقولي إنني أرى وجود أعمال خيرية وإيجابيات كثيرة في المجتمع المصري، أكنُّ لها كل الاحترام والتقدير، ولكل مَن يكون إيجابيًّا مع المجتمع. ولكن ذلك لا يمنعني، ولا يجعلني أتغاضى عمَّا يحدث فيه من سلوكيات تُسيء إلى هذه الصورة الطيبة.
ولذلك، فإنني في الوقت ذاته أُبوح بما يؤلمني مما تسمعه أذناي من ألفاظ مخجلة وخادشة للحياء العام، تتضمن أقذع الألفاظ وأكثرها انحطاطًا وخِسَّةً وسوءًا، وبعضها يعتلي هرم ألفاظ السب والشتم والتحرش اللفظي الخشن، المُخلِّ أيضًا بالأدب والأخلاق والأعراض، سواء أكان ذلك اعتداءً على الذكور أم الإناث. ولا فرق عند هؤلاء المجرمين بين سبٍّ بالأب أو الأم، ولا استحياء من الحياء وحُسن الأخلاق لديهم، ولا خشية من قانون يعاقب على هذه الجرائم اللفظية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى تصرفاتهم وأفعالهم التي تجاوزت الحدود وتغوَّلت في نطاق أعمال البلطجة، حتى إن كثيرًا من الآباء والأمهات عادوا يوصون أبناءهم بالتغاضي عمَّا يُوجَّه إليهم من قول أو فعل من هؤلاء البلطجية، اتقاءً لشر المواجهة معهم، بقولهم: «لا تُصعِّد الأمور معهم، حتى لا تتعرض لما لا تُحمَد عقباه»، وهو ما قد يصل إلى حد الإصابات البالغة
أو ربما إزهاق الأنفس والأرواح، دون أن يلحق بالبلطجي أيُّ ضرر.
وهكذا تضيع القيمة الأدبية للإنسان المجني عليه، ويحمل معه، وربما طوال حياته، مشاعر النقص وقلة القيمة والشعور بالخزي والعار؛ لأنه لم يستطع أن يدفع الاعتداء عن نفسه.
وأسوأ من كل ما تقدم أن كثيرًا من الناس في محيط الواقعة يُحجمون عن الوقوف إلى جانب الضحية ومؤازرتها، حتى لو كانت أنثى، ما داموا غير متضررين مما يحدث. ولهم في ذلك ثلاثة أقوال: أولها: «وأنا مالي؟»، وثانيها: «ما ينوب المتدخل بالخير والإصلاح إلا تقطيع ثيابه»، وأخيرًا: «خليك بعيد عن الشر وغنِّ له».
ولا شك في أن ذلك يُعبِّر عن أنانية مخزية ومحزنة تفشَّت بيننا وأصبحت تُقدِّم المصلحة الشخصية والسلامة الفردية على قيم الشهامة والتكافل الاجتماعي ونصرة المظلوم.
ولم يتوقف الانحدار الأخلاقي عند الحد السابق، بل امتد ليشمل بعض التجار الذين يتفقون أحيانًا فيما بينهم على تحديد أسعار بيع بضائعهم للعملاء، ورفعها إلى مستويات لا تتفق مع الحق والحقيقة والعدل، بما يحول دون عمل آليات السوق الحرة، وفي مقدمتها حرية العرض والطلب بوصفها إحدى آليات تحديد الأسعار.
وليس أدلَّ على احتمال وجود مثل هذه الاتفاقات من عرض السلع بالسعر ذاته في جميع محال المنطقة الواحدة، وإن كان هذا التشابه في الأسعار وحده لا يكفي دليلًا قاطعًا على وجود اتفاق مسبق بين التجار.
ومثل هذه الممارسات، إذا ثبتت، تخالف أصول المنافسة العادلة ومبادئ البيع التي يرضاها الله سبحانه وتعالى، كما قد تخالف القانون. ومهما حاولت يد القانون أن تصل إلى مرتكبي هذه المخالفات لمعاقبتهم، فقد يصعب الوصول إليهم أحيانًا، لا بالضرورة لضعف أجهزة الرقابة أو إهمالها، وإنما لما قد يلجأ إليه بعض التجار من أساليب للتحايل على القانون، إلا مَن رحم ربي منهم.
حتى إنه شاع في الأوساط الاقتصادية قولٌ مفاده: «إن العلاوات التي تقررها الدولة للعاملين بها وأصحاب المعاشات بهدف رفع مستواهم الاقتصادي ومواجهة غلاء المعيشة، تذهب فورًا إلى جيوب التجار».
ومع الأسف، فقد انتقلت عدوى هذه التصرفات المشينة إلى بعض الفئات الأخرى من المجتمع التي تحدد بنفسها أجورها وأتعابها، إلا مَن رحم ربي، ولسان حال بعضهم يقول لنا:
«ألم تلاحظوا أن كل شيء أصبح غاليًا، وأننا نحن أيضًا نريد أن نعيش؟».
فكيف وصلنا إلى هذا الحال؟ وما العلاج؟
ذلك هو موضوع مقالنا القادم، بإذن الله سبحانه وتعالى.
