recent
أخبار ساخنة

أصحاب المبادئ قد ترحل أجسادهم، لكن مواقفهم تبقى حيّة


بقلم : عماد الدين محمد

أصحاب المبادئ قد ترحل أجسادهم، لكن مواقفهم تبقى حيّة، أما أصحاب المصالح فيموتون كلما انتهت مصالحهم.

ليست العبرة في عدد السنوات التي عشناها مع الآخرين ولا في عدد المواقف التي جمعتنا بهم، بل في حقيقة ما تحمله القلوب وما تكشفه الأيام عندما تتعارض المبادئ مع المصالح ويصبح الوفاء عبئًا على من اعتادوا الأخذ دون عطاء.

" أصحاب المبادئ قد ترحل أجسادهم، لكن مواقفهم تبقى حيّة، أما أصحاب المصالح فيموتون كلما انتهت 

مصالحهم "

إنها ليست مجرد كلمات عابرة، بل خلاصة تجارب تكشف معادن البشر وتضع كل إنسان أمام حقيقته التي قد يخفيها طويلًا خلف ابتسامة زائفة، أو كلمات معسولة

 أو سنوات من العِشرة التي نظنها حصنًا منيعًا ضد الغدر.

فكم من إنسان عاش بيننا بسيطًا في مظهره، عظيمًا في مواقفه، لا يملك من الدنيا الكثير، لكنه يملك قلبًا لا يعرف الخيانة، وضميرًا لا يساوم، ومبدأً لا يتغير بتغير الوجوه أو تبدل الظروف. 

قد ترحل تلك القامات عن عالمنا، لكن مواقفها تظل حاضرة، تروي للأجيال حكايات الوفاء، وتمنح أصحابها حياة أخرى في ذاكرة من عرفوهم وأنصفوا سيرتهم.

وفي المقابل، هناك من يتقنون ارتداء ثوب الوفاء ما دامت الأبواب مفتوحة أمام مصالحهم، ويجيدون الحديث عن العِشرة، ويرددون كلمات عن الأخوة والصداقة، حتى إذا تبدلت الأحوال، أو توقفت المكاسب انكشفت الوجوه وسقطت الأقنعة وكأن كل ما كان بينهم وبين الآخرين لم يكن سوى صفقة مؤجلة تنتظر لحظة التسوية.

فلا اعتبار عند هؤلاء لعِشرة، ولا قيمة للعيش والملح ولا وزن لمواقف قديمة ولا اعتراف بيد امتدت يومًا بالمساعدة، أو قلب احتواهم في وقت الشدة. 

كل شيء يصبح قابلًا للنسيان عندما تتعارض الذاكرة مع المصلحة ويتحول الوفاء في حساباتهم إلى عبء ويصبح صاحب الفضل غريبًا، وربما خصمًا، لمجرد أنه لم يعد قادرًا على تقديم المزيد.

وهنا تظهر الحقيقة التي قد نتأخر في اكتشافها ، ليست كل عشرة وفاءً وليست كل صحبة صداقة، وليس كل من شاركنا الخبز والملح شريكًا حقيقيًا في الحياة. فهناك من يجلس إلى مائدتك لأنه يحبك وهناك من يجلس إليها لأنه ينتظر ما سيحصل عليه منها. 

والفرق بين الاثنين لا تكشفه الكلمات، بل تكشفه المواقف حين تتغير الأحوال.

إن " العيش والملح " ليسا مجرد طعام نتقاسمه، بل رمز للأمانة وحفظ الجميل وعهد أخلاقي يفرض على الإنسان ألا ينكر فضلًا، أو يبيع عشرة، أو يتنكر لمن وقف بجانبه حين تخلى عنه الآخرون. ومن لا يحفظ هذا المعنى

 لا تنقصه الذاكرة بقدر ما ينقصه الوفاء، ولا يحتاج إلى من يذكّره بالماضي بقدر ما يحتاج إلى مراجعة نفسه.

ومع ذلك، لا ينبغي أن تجعلنا خيباتنا نسيء الظن بالجميع، أو نغلق أبواب قلوبنا في وجه كل من يقترب منا. 

فكما يوجد من يبيع العِشرة عند أول اختبار، يوجد من يصون الود مهما طال الغياب، ويحفظ الجميل ولو مرت السنوات ويقف إلى جوارك لا لأنه ينتظر منك مقابلًا

بل لأنه يرى في الوفاء قيمة لا تتجزأ وفي المبدأ شرفًا لا يُشترى.

المشكلة ليست في أن تتغير الظروف، فالحياة لا تثبت على حال وليست في أن تنتهي المصالح المشروعة، فلكل إنسان احتياجاته وطموحاته ، إنما المشكلة في أن تتحول العلاقات الإنسانية إلى أدوات للمكاسب وأن يصبح الإنسان عزيزًا ما دام نافعًا، ومنسيًا ما إن تنتهي فائدته.

ولذلك، لا تحزن كثيرًا حين تكشف لك الأيام حقيقة بعض الوجوه ولا تندم على خير قدمته بإخلاص، حتى وإن قابله الآخرون بالجحود. 

فالخير الذي قدمته يعبر عن أصلك، أما الجحود فيعبر عن أصحابه. 

ولا تجعل خيانة البعض سببًا في التخلي عن مبادئك

 لأن أسوأ ما يمكن أن يفعله الإنسان بعد أن يخذله الآخرون هو أن يتحول إلى نسخة منهم.

أصحاب المبادئ قد يخسرون أشخاصًا ومصالح ومواقع لكنهم لا يخسرون احترامهم لأنفسهم. 

أما أصحاب المصالح، فقد يربحون جولة، ويجمعون حولهم الكثيرين، لكنهم يظلون أسرى لمكاسبهم فإذا انتهت، انفضّ من حولهم من كانوا يصفقون لهم ولم يبقَ من حكايتهم إلا ما تركوه من مواقف تكشف حقيقتهم.

وفي نهاية المطاف، لا يقاس الإنسان بعدد من اقتربوا منه، بل بعدد من حفظوا له الود حين غاب ولا بما جمعه من مكاسب، بل بما زرعه من احترام ومحبة في قلوب الآخرين.

فالعِشرة الحقيقية لا تمحوها الخلافات العابرة، والوفاء لا يسقط بتغير الظروف وأصحاب المبادئ لا يحتاجون إلى إعلان قيمهم في كل مناسبة فمواقفهم تتحدث عنهم وضمائرهم تشهد لهم وأثرهم يبقى حتى بعد الرحيل.

فكن صاحب مبدأ، لا أسير مصلحة واحفظ العِشرة ما استطعت ولا تنكر جميلًا مهما اختلفت الطرق. 

فمن يبيع الناس عند أول اختبار قد يربح منفعة عابرة لكنه يخسر ما هو أثمن من كل المكاسب ، شرف الموقف وصدق الكلمة واحترام النفس.

فالأجساد ترحل والمصالح تنتهي والوجوه تتبدل، لكن المواقف الصادقة تظل شاهدة على أصحابها ، لأن الإنسان لا يخلّد اسمه بما أخذه من الدنيا، بل بما تركه في قلوب الناس من أثر.

google-playkhamsatmostaqltradentX