كتب: محمد أبو سيف
شهدت العاصمة الفرنسية باريس وعموم المدن الكبرى موجة واسعة من الاحتجاجات العارمة والمظاهرات الحاشدة، في حراك وطني دعت إليه النقابات العمالية وتحالفات واسعة احتجاجاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة. وقدّر منظمو الاحتجاجات أعداد المشاركين بنحو 800 ألف محتج على مستوى البلاد، في حين قدرت وزارة الداخلية الأعداد بنحو 550 ألفاً، وسط مخاوف متزايدة لدى الدوائر الحكومية من تحول هذا الغضب إلى أزمة سياسية هيكلية.
تحالف الشارع الغاضب
تميز الحراك الحالي باتساع رقعته وتنوع قواه؛ إذ نجح في تشكيل جبهة موحدة تضم كوادر حركة "السترات الصفراء" الشهيرة، والنقابات العمالية الكبرى، والقطاعات الطلابية والمزارعين وسائقي المركبات. ويأتي هذا التصعيد امتداداً للاحتجاجات الطلابية المتصاعدة منذ منتصف سبتمبر والتي ركزت على مطالب إصلاح المنظومة التعليمية وتوفير الموارد للمؤسسات، لتمتلك طابعاً شمولياً يرفض سياسات الحكومة الاقتصادية وتراجع الخدمات العامة.
مواقع التوتر وصدامات ساحة الجمهورية
تحولت الساحات العامة الكبرى، وفي مقدمتها «ساحة الجمهورية» (Place de la République) في باريس، إلى مسارح لاشتباكات كر وفر بين قوات الأمن ومجموعات محتجة. وأفادت التقارير الأمنية باندلاع أعمال عنف ومناوشات في مدن أخرى مثل مارسيليا، وليون، وتولوز، ورين، وأنجيه، حيث عمد ملثمون إلى إلقاء الألعاب النارية والمقذوفات تجاه قوات مكافحة الشغب، وإحراق بعض الحاويات وإطارات السيارات.
وفي المقابل، استخدمت قوات الشرطة قنابل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين وإبعاد العناصر المخربة عن محيط التجمعات الحيوية. وأسفرت التدخلات الأمنية عن توقيف ما لا يقل عن 166 شخصاً في عموم البلاد على خلفية أعمال الشغب والتخريب.
مواقف رسمية ومخاوف حكومية
على الصعيد الرسمي، أعرب رئيس الوزراء الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، عن دعمه الكامل لقوات إنفاذ القانون، مندداً بما وصفه بـ«العنف الشديد للغاية» الذي رافق بعض المسيرات. وفي السياق ذاته، تسعى الحكومة الفرنسية لاحتواء الغضب المتصاعد عبر فتح قنوات حوار وطني واستشارية مستمرة حتى أواخر أكتوبر، إلا أن الإصرار النقابي والشبابي ينذر بمزيد من التصعيد الميداني، مهدداً بإدخال البلاد في شلل أفرع الخدمات العامة والنقل مع تلويح النقابات بخطوات تصعيدية مقبلة.

