recent
أخبار ساخنة

حرب الظلال فوق الرياض: لماذا لم تعد هجمات الحوثيين مجرد تصعيد عابر؟

 


كتبت : رشا يوسف

لم تعد الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية مجرد تطور عسكري عابر في صراع ممتد، بل أصبحت مؤشرًا على مرحلة أكثر تعقيدًا في معادلات الأمن الإقليمي، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الرسائل السياسية، وتتحول المنشآت الحيوية والمطارات وممرات الملاحة إلى عناصر مؤثرة في مسار المواجهة.

ومع تجدد الهجمات التي تستهدف الأراضي السعودية، يعود السؤال الأهم إلى الواجهة: هل نحن أمام تصعيد محدود تحكمه حسابات الضغط المتبادل، أم بداية مرحلة جديدة قد تتجاوز حدود اليمن، لتلقي بظلالها على أمن الخليج والمنطقة بأكملها؟

استهداف المنشآت الحيوية.. رسائل تتجاوز الميدان

لا تتوقف خطورة هذه الهجمات عند الأضرار المباشرة التي قد تخلفها، بل تمتد إلى ما تحمله من رسائل تتعلق بقدرة الأطراف المتصارعة على التأثير في خصومها وفرض معادلات جديدة على الأرض.

فاستهداف المطارات والمنشآت المدنية والاقتصادية يضع أمن السكان وحركة الطيران واستقرار النشاط الاقتصادي أمام تحديات متزايدة، كما يثير تساؤلات حول حدود الردع العسكري ومدى قدرة الحلول الأمنية وحدها على احتواء صراع تتشابك فيه المصالح المحلية مع الحسابات الإقليمية.

وفي هذا السياق، تبرز المواقف الدولية الرافضة لاستهداف المدنيين والمنشآت المدنية، وما يصاحبها من تحذيرات بشأن تداعيات التصعيد على استقرار المنطقة وأمن الطاقة والملاحة. غير أن فاعلية هذه المواقف تظل مرتبطة بمدى القدرة على تحويلها إلى خطوات عملية تسهم في خفض التوتر ومنع اتساع نطاق المواجهة.

الأزمة اليمنية.. جذور الصراع ومخاطر اتساع المواجهة

في قلب هذه المعادلة، تظل الأزمة اليمنية العامل الأكثر تعقيدًا فسنوات الصراع لم تنجح في إنهاء المواجهة أو التوصل إلى تسوية سياسية مستقرة، بل أبقت البلاد أمام تحديات أمنية وسياسية واقتصادية متشابكة، ووفرت بيئة قابلة لتجدد الاشتباكات واتساع نطاقها.

وبين العمليات العسكرية والردود المتبادلة، يدفع المدنيون ثمنًا باهظًا لا يمكن تجاهله، سواء داخل اليمن أو في المناطق التي تتعرض للتهديدات والهجمات. كما تتزايد المخاوف من انتقال آثار التصعيد إلى حركة التجارة والطاقة والملاحة الدولية، لا سيما في ظل الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر ومضيق باب المندب، باعتبارهما من الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

ولا تقتصر تداعيات أي اضطراب في هذه الممرات على الدول المطلة عليها، بل يمكن أن تمتد إلى سلاسل الإمداد وتكاليف النقل والتأمين، بما ينعكس على اقتصادات إقليمية ودولية ترتبط مصالحها باستقرار حركة التجارة البحرية.

أمن الخليج وحسابات القوى الدولية

لا يمكن فصل هذه التطورات عن طبيعة التوازنات الإقليمية

إذ تتجاوز المواجهة حدود العلاقة بين الرياض والحوثيين لتتصل بأمن الخليج ومصالح القوى الدولية وحسابات النفوذ في المنطقة.

ومع ذلك، فإن اختزال المشهد في صراع بين أطراف متنافسة لا يكفي لفهم أبعاده الكاملة؛ فاستمرار المواجهة يفتح الباب أمام احتمالات متعددة، تبدأ باتساع نطاق العمليات العسكرية، ولا تنتهي عند تعقيد فرص التفاوض وإطالة أمد الأزمة الإنسانية في اليمن.

كما أن أي تصعيد جديد قد يضع الأطراف المعنية أمام معادلة شديدة الحساسية، تتمثل في ضرورة حماية الأمن الوطني والمنشآت الحيوية، بالتوازي مع تجنب خطوات قد تؤدي إلى مواجهة أوسع يصعب احتواء تداعياتها.

ومن هنا، تبرز أهمية الجهود الدبلوماسية والإقليمية الرامية إلى احتواء التوتر، وإيجاد أرضية مشتركة تتيح استئناف المسار السياسي، بدلًا من ترك التطورات الميدانية تتحكم وحدها في مستقبل الأزمة.

الردع العسكري أم التسوية السياسية؟

إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في كيفية التعامل مع الهجمات بل في منع تحولها إلى حلقة جديدة من التصعيد المتبادل الذي يصعب احتواؤه لاحقًا.

فالإجراءات الأمنية والعسكرية تظل ضرورية لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، لكنها لا تمثل وحدها حلًا مستدامًا لصراع تتداخل فيه العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية. ومن ثم، فإن أي استراتيجية جادة لخفض المخاطر ينبغي أن تجمع بين حماية الأمن، وتكثيف الجهود الدبلوماسية، ومعالجة جذور الأزمة اليمنية والحد من فرص تجدد المواجهة.

وفي الوقت نفسه، يجب أن تظل حماية المدنيين والمنشآت المدنية واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني وضمان أمن الملاحة من المبادئ الأساسية التي تحكم التعامل مع الأزمات، بعيدًا عن منطق الانتقام أو توسيع دائرة الأضرار.

المنطقة أمام اختبار صعب

في النهاية، تضع هذه التطورات المنطقة أمام اختبار حقيقي: هل تستمر دوامة التصعيد، وتتحول الحدود والممرات الحيوية إلى ساحات مفتوحة لتبادل الضربات، أم تنجح الأطراف المعنية في إدراك أن استمرار المواجهة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر وعدم الاستقرار؟

فالأمن الإقليمي لا يُقاس فقط بقدرة الدول على صد الهجمات وإنما أيضًا بقدرتها على منع الحروب من التمدد، واحتواء الأزمات قبل تحولها إلى صراعات أوسع، وتهيئة الظروف اللازمة لتسويات سياسية قابلة للاستمرار.

وبين صوت الصواريخ واحتمالات التفاوض، يبقى السؤال الأهم مطروحًا: من يمتلك القدرة والإرادة على وقف التصعيد قبل أن تتسع فاتورته لتشمل المنطقة بأكملها؟

google-playkhamsatmostaqltradentX