كم من أناسٍ تحدثوا عن أوطانهم، واسترسلوا في وصف معاناة شعوبها، ورفعوا شعارات الحرية والكرامة، بينما كانوا ينعمون بخيرات أوطانٍ أخرى لا ينتمون إليها ويستظلون بظلالها، ويتمتعون بأمنها واستقرارها
لا لشيء إلا لأنهم أرادوا أن يصنعوا لأنفسهم مجدًا
ولو كان ذلك على حساب الحقيقة وصدق الانتماء.
فليس كل من تحدث عن الوطن أدرك معناه، وليس كل من رفع صوته دفاعًا عن الشعوب حمل همومها حقًّا
فهناك فارق شاسع بين من يتخذ من الأوطان قضيةً يؤمن بها، ومن يجعل منها سُلّمًا يصعد عليه نحو الشهرة والمجد الزائف.
فالوطن ليس مجرد اسمٍ نردده، ولا علمًا نرفعه، ولا شعاراتٍ نطلقها حين تقتضي المصالح ذلك؛ بل هو حكاية عمر، وذاكرة لا تغادرنا، وجذور تمتد في أعماق أرواحنا مهما ابتعدت بنا المسافات.
الوطن هو تلك الجدران التي احتضنت طفولتنا، وتلك الدروب التي شهدت خطواتنا الأولى، وتلك النسمات التي نتنفسها على ضفافه، فتمنح أرواحنا طمأنينةً لا نجدها في أي مكان آخر. هو الوجوه التي ألفناها، والأصوات التي تسكن ذاكرتنا، والتفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عاديةً في أعين الآخرين، لكنها بالنسبة إلينا تختصر حكاية الانتماء بأكملها.
والوطن، مهما اشتدت أزماته، أو اشتعلت النيران على حدوده، أو تعثرت خطوات أبنائه في دروبه الوعرة
أو قست عليهم ظروف الحياة، يظل وطنًا لا تنال من مكانته الصعاب، ولا تنتقص من قيمته الأزمات. قد تتغير ملامحه، وقد تثقل كاهله الجراح، وقد تطول به ليالي المعاناة، لكنه يظل ذلك الركن العميق في أرواحنا الذي لا تستطيع الغربة اقتلاعه، ولا تستطيع المسافات محوه.
فليس الانتماء أن تنعم بخيرات الأوطان الأخرى ثم تتحدث عن وطنك من بعيد، وليس الوفاء أن تكتفي برثاء معاناة شعبك بينما تنأى بنفسك عن آلامه؛ إنما الانتماء موقف، والوفاء مسؤولية، وحب الوطن يُختبر حين تضيق السبل، لا حين تتسع أبواب المصالح.
قد تختلف رؤانا، وتتباين مواقفنا، ونختلف في تقييم ما يجري داخل أوطاننا، لكن يبقى السؤال الأهم: هل نتحدث عن الوطن لأننا نحبّه ونريد له الخير، أم لأننا نبحث عن مجدٍ شخصي نصنعه من آلام الآخرين؟
إن الأوطان لا تحتاج إلى خطباء يجيدون وصف جراحها بقدر ما تحتاج إلى ضمائر صادقة تشعر بآلام أبنائها وعقول مخلصة تبحث عن سبل النهوض بها، وأيدٍ تعمل من أجل مستقبلٍ أفضل لشعوبها.
فالوطن ليس المكان الذي يمنحنا خيراتِه فحسب، بل المكان الذي تظل قلوبنا معلّقةً به حتى حين يقسو علينا.
وليس عظيمًا من يتحدث عن وطنه ليصنع لنفسه مجدًا بل عظيمٌ من يجعل من مجده وسيلةً لخدمة وطنه، ومن صوته جسرًا لمعاناة شعبه، ومن انتمائه فعلًا صادقًا لا شعارًا عابرًا.
فالأوطان لا تُقاس بما تمنحنا إياه في أوقات الرخاء وحدها، بل بما توقظه فينا من وفاءٍ حين تشتد المحن
لأن الوطن، في نهاية المطاف، ليس مجرد أرضٍ نعيش عليها، بل روحٌ نعيش بها، وحكايةٌ نحملها معنا أينما رحلنا.
