بقلم : سلسبيل حمد
هناك مواقف في السيرة النبوية لا تحتاج إلى كثير من الشرح حتى تترك سؤالًا طويلًا في داخل الإنسان. ومن بينها موقف النبي محمد ﷺ مع وحشي رضي الله عنه، قاتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.
وحين أسلم وحشي وجاء إلى النبي ﷺ، قال له النبي:
«فهل تستطيع أن تغيّب وجهك عني؟».
الجملة قصيرة، لكنها تكشف جانبًا إنسانيًا عميقًا في التعامل مع الألم. فالنبي ﷺ قبل إسلام وحشي، ولم يعامله باعتباره أسيرًا لما فعله قبل الإسلام، لكنه في الوقت نفسه لم يُنكر أثر ذلك الفعل في نفسه، ولم يُجبر نفسه على رؤية من كان حضوره يذكّره بمقتل حمزة رضي الله عنه.
وهنا تظهر مساحة مهمة كثيرًا ما تختلط علينا: العفو شيء واستعادة العلاقة كما كانت شيء آخر.
قد يسامح الإنسان من أساء إليه؛ لأنه لا يريد أن يحمل الكراهية في قلبه، لكنه لا يكون مستعدًا لأن يعيد الشخص نفسه إلى المساحة القريبة من حياته. وليس في ذلك بالضرورة تناقض.
فالإنسان قد يتجاوز موقفًا، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يتجاوز أثره بالسرعة نفسها. وقد يتوقف عن محاسبة شخص على الماضي
دون أن يشعر بالأمان الكافي ليمنحه القرب من جديد.
وفي حياتنا اليومية، نرى هذا كثيرًا. شخص أخطأ في حقك، ثم اعتذر بصدق. قد تقبل اعتذاره وتنهي الخصومة، لكنك تكتشف بعد ذلك أن العلاقة لم تعد قادرة على العودة إلى صورتها القديمة. ليس لأنك تبحث عن الانتقام، وإنما لأن شيئًا ما تغيّر داخلك.
المشكلة تبدأ حين نضع الناس أمام اختيارين فقط: إما أن تسامح وتعود كما كنت، أو أنك لم تسامح أصلًا.
وهذا ليس صحيحًا دائمًا.
هناك فرق بين أن تتمنى الخير لإنسان، وبين أن تسمح له بالدخول مرة أخرى إلى تفاصيل حياتك. وفرق بين أن تتوقف عن إيذائه وبين أن تكون قادرًا على الاقتراب منه. وفرق بين انتهاء الخصومة، وانتهاء أثرها النفسي.
ولعل هذا من أكثر الجوانب الإنسانية التي يمكن أن نتعلمها من الموقف: ليس مطلوبًا من الإنسان أن ينكر ألمه حتى يكون رحيمًا.
لكن الرحمة أيضًا لا تعني أن يتحول الألم إلى مبرر للظلم أو الانتقام. يمكن للإنسان أن يضع مسافة تحميه، من دون أن يحوّل المسافة إلى كراهية، وأن يغلق بابًا من دون أن يقضي عمره واقفًا أمامه، يلعن من خرج منه.
وفي النهاية، ربما لا يكون النضج في أن نُبقي كل الأبواب مفتوحة وإنما في أن نعرف أيّ الأبواب يمكن أن تُفتح من جديد، وأيّها يكفي أن نغلقه بهدوء، ثم نمضي دون أذى ودون ضجيج.
فبعض العلاقات ينتهي خلافها، لكنها لا تعود كما كانت، وهذا لا يجعل العفو أقل صدقًا، ولا يجعل المسافة قسوة.
