recent
أخبار ساخنة

زواج أصحاب متلازمة داون بين الرؤية الشرعية والإنسانية



كتبت - منى منصور السيد

يُعدُّ حقُّ تكوين الأسرة والزواج من الحقوق التي كفلها الإسلام لكل إنسان متى توافرت شروطه الشرعية. ومن هنا يثور تساؤل مهم: هل يجوز شرعًا زواج الأشخاص من أصحاب متلازمة داون؟

تؤكد آراء علماء الشريعة ودار الإفتاء المصرية أن الحكم لا يقوم على الإصابة بمتلازمة داون في حدِّ ذاتها، وإنما على مدى توافر الأهلية والإدراك والتمييز لدى كل شخص، إذ تختلف حالات متلازمة داون من فرد إلى آخر ولا يجوز تعميم حكم واحد على الجميع.

وقد أكدت دار الإفتاء المصرية أن زواج المصاب بمتلازمة داون جائز شرعًا إذا توافرت الشروط الشرعية والقانونية، وكان الشخص مدركًا لمعنى الزواج وقادرًا على التعبير عن إرادته، مع مراعاة أن يتولى الولي عقد الزواج إذا استدعت حالته ذلك، وأن يكون الطرف الآخر على علم كامل بالحالة وبرضا تام، تحقيقًا لمبدأ الشفافية وصونًا للحقوق.

كما أوضح الأستاذ الدكتور شوقي إبراهيم علام، مفتي جمهورية مصر العربية الأسبق، أن الزواج حق من الحقوق الإنسانية التي أقرها الإسلام، وأن الأصل فيه الإباحة متى تحققت المصلحة وانتفت المفسدة، مؤكدًا أن لكل حالة ظروفها الخاصة، وأن تقدير الأهلية يكون وفق الحالة الفردية، وليس بناءً على التشخيص وحده. كما أشار إلى أن مسألة الإنجاب تُترك لتقدير الأطباء وأهل الاختصاص، وفقًا لما تقتضيه مصلحة الزوجين والذرية.

سما... نموذج يستحق الدراسة لا الأحكام المسبقة

ومن النماذج التي أثارت اهتمام الرأي العام حالة «سما» التي استطاعت بفضل التعليم والتأهيل والدعم الأسري أن تقدم صورة مشرقة عن قدرات كثير من أصحاب متلازمة داون. فقد أظهرت مستوى جيدًا من الوعي والثقافة والقدرة على التواصل مع الآخرين، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في الأحكام العامة التي تُطلق على جميع المصابين بالمتلازمة.

ومع ذلك، فإن التفوق في التعليم أو الثقافة لا يكفي وحده للحكم بأهلية الزواج، كما أن الإصابة بمتلازمة داون لا تعني تلقائيًا عدم الأهلية. فالمعيار الحقيقي يتمثل في مدى إدراك الشخص لمعنى الزواج، وقدرته على اتخاذ القرار بحرية ومسؤولية، وفهم حقوقه وواجباته، إلى جانب تقييم المختصين للحالة من الجوانب الطبية والنفسية والاجتماعية.

إن الشريعة الإسلامية قامت على العدل والرحمة، ولذلك رفضت التعميم في مثل هذه القضايا، وجعلت لكل إنسان حقه في أن تُقيَّم حالته بصورة مستقلة، بما يحقق مصلحته، ويحفظ كرامته، ويصون حقوقه.



وفي الختام، فإن أصحاب متلازمة داون ليسوا فئة واحدة من حيث القدرات والإمكانات، بل تختلف مستويات الإدراك والاستقلالية بينهم، ولذلك يجب أن يكون الحكم على أهلية الزواج فرديًا، قائمًا على التقييم العلمي والشرعي، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو النظرة النمطية.

فالإسلام دين رحمة وعدل، وقد جعل كرامة الإنسان أساسًا لكل الأحكام، وأكد أن المصلحة وحفظ الحقوق هما الميزان الذي تُبنى عليه الفتوى، بما يضمن لأصحاب متلازمة داون حقهم في حياة كريمة، وفي تكوين أسرة متى توافرت لديهم الأهلية التي أقرتها الشريعة الإسلامية.

google-playkhamsatmostaqltradentX