بقلم : نيللي الحمزاوي
ما الذي يجعل عبوة عصير مصرية تصل إلى أسواق الخليج، أو عبوة مكرونة تحمل عبارة "صنع في مصر" تُعرض على أرفف المتاجر في أفريقيا، أو منتجات التمور والفراولة المجمدة والأعشاب الطبية تجد طريقها إلى الأسواق الأوروبية؟
الإجابة لا تكمن في منتج واحد، بل في قطاعٍ كامل استطاع، خلال السنوات الأخيرة، أن يتحول إلى أحد أبرز محركات الصادرات المصرية.
فالصناعات الغذائية لم تعد قطاعًا يخدم السوق المحلية فقط، بل أصبحت قطاعًا يصنع قيمةً مضافة، ويوفر فرص عمل، ويعزز حضور المنتج المصري في الأسواق الدولية.
لقد أدركت الشركات المصرية أن المنافسة العالمية لا تقوم على وفرة المواد الخام وحدها، وإنما على القدرة على تحويلها إلى منتجات مطابقة للمواصفات الدولية تتمتع بجودة ثابتة، وهوية تجارية واضحة، وقيمة تجعل المستهلك في أي دولة يثق بها.
وتبدأ هذه الرحلة من المزرعة؛ فمصر تمتلك تنوعًا زراعيًا يمنح مصانع الأغذية قاعدة واسعة من الخامات، لكن القيمة الحقيقية لا تتحقق عند الحصاد، بل عندما تدخل هذه الخامات إلى خطوط الإنتاج لتتحول إلى منتجات مصنعة تحمل اسم مصر إلى العالم.
وخلال السنوات الأخيرة، استثمرت العديد من الشركات في تحديث خطوط الإنتاج، وتطبيق نظم سلامة الغذاء والحصول على شهادات الجودة الدولية، وتطوير أساليب التعبئة والتغليف، والتوسع في المشاركة بالمعارض الدولية، وهو ما ساعدها على دخول أسواق جديدة والحفاظ على الأسواق القائمة.
كما لعبت الاتفاقيات التجارية التي ترتبط بها مصر مع عدد من الدول والتكتلات الاقتصادية دورًا مهمًا في تسهيل وصول المنتجات المصرية إلى أسواق متنوعة
مما منح الشركات فرصًا أكبر للتوسع وزيادة صادراتها.
لكن النجاح في التصدير لا يعتمد على جودة المنتج وحدها؛ فالالتزام بمواعيد التسليم، والقدرة على الإنتاج بكميات مستقرة، وفهم متطلبات كل سوق، والاستجابة السريعة لتغيرات الطلب، أصبحت جميعها عناصر أساسية في المنافسة العالمية.
ولهذا، فإن المصنع الذي ينجح في التصدير لا يبيع منتجًا فحسب، بل يبني سمعة، ويصنع ثقة، ويفتح الباب أمام منتجات مصرية أخرى لدخول السوق نفسها.
إن كل حاوية تغادر أحد الموانئ المصرية محملة بمنتجات غذائية تحمل معها أكثر من مجرد سلعة؛ إنها تحمل صورة الصناعة المصرية، وخبرة العامل المصري وطموح المستثمر الذي آمن بأن الجودة قادرة على عبور الحدود.
نبض السوق المصري
وفقًا لبيانات المجلس التصديري للصناعات الغذائية سجلت صادرات الصناعات الغذائية المصرية خلال عام 2025 نحو 6.1 مليار دولار، وهو أعلى مستوى تحققه صادرات القطاع حتى الآن، مع نمو ملحوظ مقارنة بالعام السابق. وشملت الصادرات أكثر من 190 دولة، وكانت الدول العربية في مقدمة الأسواق المستقبلة، تلتها الأسواق الأوروبية والأفريقية، مما يعكس اتساع انتشار المنتج الغذائي المصري وقدرته على المنافسة الدولية.
نافذة عالمية
لا تعتمد الدول الرائدة في تصدير الصناعات الغذائية على وفرة الإنتاج الزراعي وحدها، بل تستثمر في البحث والتطوير، والابتكار في المنتجات، وسلامة الغذاء والعلامات التجارية، والتسويق الدولي.
فالأسواق العالمية لا تستورد الغذاء فقط... بل تستورد الجودة والثقة.
فكرة تستحق الاستثمار
لا تزال هناك فرصة كبيرة أمام الشركات المصرية للتوسع في تصدير المنتجات ذات القيمة المضافة، مثل الأغذية الجاهزة، والمنتجات العضوية، والأغذية الصحية والمنتجات التي تحمل هوية مصرية مميزة.
فالأسواق العالمية تشهد نموًا متزايدًا في الطلب على هذه الفئات، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة أمام المستثمرين.
هل تعلم؟
تشير التجارب الدولية إلى أن الشركة التي تنجح في الحفاظ على جودة ثابتة، والالتزام بمواعيد التسليم والاستجابة السريعة لاحتياجات عملائها، تكون أكثر قدرة على الاحتفاظ بالأسواق الخارجية من الشركات التي تعتمد على السعر وحده.
سؤال العدد
إذا كنت تدير مصنعًا غذائيًا في مصر، فما أول سوق خارجي ستسعى إلى دخوله؟
وهل ستبني استراتيجيتك على السعر الأقل، أم على الجودة والابتكار وبناء علامة تجارية؟
ولماذا؟
غدًا نقرأ...
المعارض الدولية... كيف تتحول ثلاثة أيام من اللقاءات إلى سنوات من فرص التصدير؟
