في قضية هزت الرأي العام، وعُرفت إعلاميًا بقضية «قابيل وهابيل السيدة زينب»، لم تكن قاعة المحكمة شاهدة على محاكمة متهم فحسب، بل كانت شاهدة على مأساة أسرة كاملة مزقتها المخدرات، ووقفت فيها أم ثكلى بين ألم فقدان أحد أبنائها والخوف من فقدان الآخر. فهي أم الجاني والمجني عليه في آنٍ واحد.
وبعد إحالة المتهم إلى محكمة الجنايات لتأخذ العدالة مجراها، وقف داخل قفص الاتهام، متهمًا بإنهاء حياة شقيقه، في انتظار حكم قاضي الأرض الذي يحدد مصيره، بينما يظل الحكم المطلق لله سبحانه وتعالى العادل الذي لا تخفى عليه خافية.
ورغم أن القضية أحاطت بها أدلة وملابسات جنائية، فإن المشهد الأكثر تأثيرًا داخل قاعة المحكمة لم يكن القفص الحديدي، بل أمًا مكلومة لا تكف عن الدعاء والتضرع وأبًا يحمل في قلبه وجع فقدان أحد أبنائه، ويعيش في الوقت نفسه خوفًا على مصير ابنه الآخر.
ومع بدء المستشار أسامة الغنام، المحامي بالنقض والدستورية العليا، مرافعته دفاعًا عن المتهم، سبقت كلمات الدفاع صرخات الأم وتوسلاتها، وهي تناشد هيئة المحكمة الرحمة، وتستحلفها بالله أن تنظر بعين الرأفة إلى ابنها، مؤكدة أن أسرة المجني عليه، باعتبارها أصحاب الحق المدني، قد تنازلت عن حقها.
وبحسب ما صرح به المستشار أسامة الغنام لجريدة «دايلي برس مصر»، فإن دموع الأم لم تكن مجرد مشهد عابر، بل كانت صرخات إنسانية خاطبت القلوب قبل أن تخاطب نصوص القانون.
وأكد أن بكاء الأم أثر في جميع الحاضرين داخل قاعة المحكمة، مشيرًا إلى أنه لم يتمكن في بداية مرافعته من استكمال حديثه لشدة تأثره بمشهدها المؤلم.
وأضاف أن إصدار حكم بالإعدام بحق المتهم ـ حال صدوره ـ يعني بالنسبة للأسرة فقدان ابنين دفعة واحدة أحدهما فارق الحياة، والآخر ينتظر مصيره خلف القضبان.
والجدير بالذكر أن هيئة المحكمة برئاسة المستشار إبراهيم سيد حسين قررت تأجيل القضية للنطق بالحكم وعضوية كل من:
- المستشار أكرم محمد رشاد السيد.
- المستشار عبد الرؤوف عبد المنصف زهران.
- المستشار هشام فاروق أمين، رئيس الدائرة الرابعة جنايات السيدة زينب.
تفاصيل الواقعة
تعود أحداث القضية إلى واقعة مأساوية شهدتها منطقة السيدة زينب، بعدما تحولت خلافات أسرية بين شقيقين إلى جريمة راح ضحيتها أحدهما، في مشهد أعاد إلى الأذهان قصة «قابيل وهابيل».
وأوضح المستشار أسامة الغنام أن الواقعة بدأت بمشادة كلامية بين المجني عليه وشقيقه بسبب تعاطي الأخير المواد المخدرة داخل المنزل، حيث طالبه مرارًا بالابتعاد عن تعاطي مخدري «الشابو» و**«الآيس»** حفاظًا على الأسرة والأطفال.
إلا أن المشادة تطورت إلى مشاجرة، انتهت – وفقًا لأوراق القضية – بتوجيه المتهم ضربة إلى شقيقه باستخدام سلاح أبيض، ما أدى إلى إصابته إصابة بالغة قبل أن يُنقل إلى المستشفى، حيث فارق الحياة متأثرًا بإصابته.
محاولات للصلح... لكن الجريمة أصبحت حقًا للمجتمع
وعقب الواقعة، جرت محاولات للصلح من جانب أهل المجني عليه، حفاظًا على مستقبل أبنائه، وأبدى بعض أفراد الأسرة رغبتهم في التسامح والتنازل.
إلا أن الجريمة، بحسب التكييف القانوني، لا تقف عند حدود الحق الخاص، إذ يصبح للمجتمع حق في العقاب وتخضع الواقعة لأحكام القانون، وفقًا لما تنتهي إليه المحكمة من ثبوت الاتهامات وتوافر القصد الجنائي وظروف وملابسات الواقعة.
ما التكييف القانوني للواقعة؟
أوضح المستشار أسامة الغنام أن التكييف القانوني يتوقف على ما تسفر عنه التحقيقات والأدلة، فقد تُكيف الواقعة باعتبارها جريمة ضرب أفضى إلى الموت إذا ثبت انتفاء نية القتل العمد، بينما يختلف الوصف القانوني والعقوبة باختلاف القصد الجنائي والظروف المحيطة بالواقعة.
وأكد أن تحديد الوصف القانوني النهائي والعقوبة يظل من الاختصاص الأصيل لجهات التحقيق والمحكمة المختصة، وفقًا لما يثبت لديها من أدلة ووقائع.
المخدرات... الخطر الذي يهدد الأسرة
تكشف هذه القضية عن الخطر المتزايد للمخدرات، وخاصة المواد شديدة التأثير، التي قد تؤدي إلى تفاقم العنف الأسري، وتدفع إلى ارتكاب جرائم مأساوية.
ويرى المستشار أسامة الغنام أن انتشار المخدرات، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وضعف الرقابة الأسرية، يمثل عوامل قد تسهم في تفاقم المشكلات لكنها لا تبرر بأي حال من الأحوال إزهاق الأرواح أو ارتكاب الجرائم.
رسالة إلى كل أسرة
تحمل هذه القضية رسالة تحذيرية إلى جميع الأسر المصرية بضرورة متابعة الأبناء، والانتباه إلى أي مؤشرات قد تدل على تعاطي المخدرات، والتدخل المبكر وطلب العلاج المتخصص قبل أن تتحول المشكلة إلى كارثة إنسانية.
فالمخدرات لا تقتل متعاطيها وحده، بل تمتد آثارها المدمرة إلى الأسرة بأكملها، فتترك خلفها قتيلًا، ومتهمًا ينتظر مصيره، وأطفالًا فقدوا الشعور بالأمان، وأمًا تحمل في قلبها مأساة لا تنتهي.
وفي ختام جلسات نظر القضية، قررت المحكمة تأجيلها للنطق بالحكم، لتظل قاعة المحكمة معلقة بين نصوص القانون ودموع أم ثكلى، ومأساة أسرة دفعت ثمنًا باهظًا لآفة المخدرات التي لم تكتفِ بإفساد حياة متعاطيها، بل امتدت لتسلب حياة شقيقه وتمزق كيان الأسرة بأكملها.
وهكذا تبقى قضية «قابيل وهابيل السيدة زينب» نموذجًا مأساويًا لجريمة بدأت بخلاف أسري، وتفاقمت بفعل المخدرات، وانتهت أمام منصة العدالة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت القانون.


