ما وراء المشهد
بقلم : الدكتورة إيناس عمر الصاوي
في كل مرحلة من مراحل بناء الدول، تكون هناك لحظة فارقة تنتقل فيها التنمية من مرحلة تشييد البنية الأساسية إلى مرحلة الاستثمار في الإنسان بوصفه المحرك الحقيقي للاقتصاد. ومن هذا المنطلق، يأتي إطلاق مشروع “اقتصاد الشباب” ليجسد رؤية تنموية تتجاوز حدود المبادرات التقليدية، وتعكس إيمان الدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، بأن بناء اقتصاد قوي يبدأ من تمكين الشباب، وإطلاق طاقاتهم وتحويلهم من باحثين عن فرص إلى صناع للفرص.
ولا يمكن فصل هذا المشروع عن المسار الذي انتهجته الدولة خلال السنوات الأخيرة، والذي ارتكز على تأسيس بنية تحتية حديثة، وإطلاق مشروعات قومية كبرى وتطوير بيئة الاستثمار، بالتوازي مع الاستثمار في العنصر البشري باعتباره الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة. فالمعادلة أصبحت واضحة: لا اقتصاد تنافسيًا دون شباب مؤهل، ولا نموًا مستدامًا دون عقول قادرة على الابتكار والإنتاج.
إن إطلاق مشروع “اقتصاد الشباب” لا يمثل مجرد برنامج لدعم المشروعات أو توفير التمويل، بل يعكس تحولًا في الفكر الاقتصادي للدولة، من اقتصاد يعتمد على توفير الوظائف إلى اقتصاد يعمل على صناعة رواد الأعمال، وبناء شركات ناشئة، وتحويل الأفكار إلى مشروعات منتجة تسهم في زيادة الناتج المحلي، وتعزيز الصادرات، وخلق فرص عمل جديدة.
هذه الرؤية تتوافق مع أهداف رؤية مصر 2030، التي تضع الإنسان في قلب عملية التنمية، وتؤكد أن الاستثمار في المعرفة والمهارة والابتكار هو الطريق الأكثر استدامة لتعزيز القدرة التنافسية للدولة في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.
ولعل القيمة الاستراتيجية للمشروع تكمن في أنه يعيد تعريف مفهوم الثروة الوطنية؛ فالثروة لم تعد تُقاس فقط بما تملكه الدول من موارد طبيعية، بل بما تمتلكه من عقول قادرة على الإبداع. ومن هنا يصبح الشباب ليسوا مجرد شريحة عمرية، وإنما رأس مال وطني يجب الاستثمار فيه، لأنه القادر على تحويل التحديات إلى فرص، والأفكار إلى مشروعات، والطموح إلى قوة اقتصادية.
إن نجاح المشروع لن يُقاس بعدد المبادرات أو حجم التمويل فحسب، وإنما بقدرته على خلق منظومة متكاملة تضم التعليم والتدريب والتمويل والتسويق والتحول الرقمي، بما يسمح للشباب بالانتقال من مرحلة الفكرة إلى مرحلة الإنتاج، ومن المشروعات الصغيرة إلى شركات قادرة على المنافسة داخل مصر وخارجها.
كما أن المشروع يحمل بعدًا وطنيًا يتجاوز الاقتصاد، إذ يسهم في ترسيخ ثقافة العمل الحر، وتعزيز روح المسؤولية، ورفع معدلات الإنتاج، وبناء مجتمع أكثر ثقة بقدراته وأكثر استعدادًا لمواجهة المتغيرات العالمية. فكل مشروع ناجح هو إضافة إلى الاقتصاد، وكل شاب منتج هو استثمار في استقرار الدولة ومستقبلها.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي راهنت على شبابها ربحت المستقبل، ومصر اليوم تمتلك فرصة حقيقية لتحويل كتلتها الشبابية إلى قوة اقتصادية إقليمية إذا استمرت في تطوير بيئة الابتكار، وربط التعليم باحتياجات السوق، وتوسيع آفاق ريادة الأعمال.
وفي النهاية، فإن مشروع “اقتصاد الشباب” ليس مجرد عنوان لمبادرة جديدة، بل إعلان عن مرحلة جديدة من التفكير الاقتصادي، قوامها أن الإنسان هو الثروة الأغلى وأن الشباب هم الوقود الحقيقي لمسيرة التنمية. وعندما يتحول تمكين الشباب إلى سياسة دولة، يصبح المستقبل أكثر قدرة على تحقيق النمو، وأكثر استعدادًا لمواجهة التحديات، وأكثر ثقة في أن بناء الجمهورية الجديدة يبدأ من بناء الإنسان القادر على صناعة اقتصادها.


