recent
أخبار ساخنة

الإمام الأكبر أحمد الطيب… عندما تصبح القيادة احتواءً للإنسان قبل إدارة للمؤسسات




   ما وراء المشهد 

بقلم : دكتورة إيناس عمر الصاوي 

ليست كل الشخصيات العامة تُخلَّد بما تتخذه من قرارات فبعضها يبقى في ذاكرة الشعوب لأنه عرف كيف يلامس الإنسان قبل أن يخاطب الجمهور. فالتاريخ لا يحتفظ فقط بأصحاب المناصب، بل يحتفظ بمن استطاعوا أن يمنحوا الناس شعورًا بالأمان والثقة والأمل. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة شخصية الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، بوصفها نموذجًا للقيادة التي اختارت أن تبني الإنسان قبل أن تنشغل ببناء الصورة.



من السهل أن يدير الإنسان مؤسسة عريقة، لكن الأصعب أن يحافظ على روحها ورسالتها في زمن تتغير فيه المفاهيم وتتسارع فيه الأحداث. وقد نجح الإمام الأكبر في أن يبقي الأزهر حاضرًا ليس باعتباره مؤسسة دينية فحسب، بل باعتباره ضميرًا أخلاقيًا يذكر المجتمع بأن العلم لا ينفصل عن الرحمة، وأن الدين لا يكتمل إلا بحفظ كرامة الإنسان.



ولعل من أجمل الصور التي عكست هذه الفلسفة ذلك المشهد الذي جمعه هذا العام بأوائل الثانوية الأزهرية والعامة. ففي الوقت الذي كان كثيرون ينظرون إلى المناسبة باعتبارها احتفالًا بالمتفوقين، كان الإمام الأكبر ينظر إليها باعتبارها لحظة لبناء الوعي. لم يتعامل مع هؤلاء الشباب باعتبارهم أصحاب درجات مرتفعة، بل باعتبارهم أمناء على مستقبل وطن، يحملون مسؤولية تحويل العلم إلى عمل، والتفوق إلى رسالة، والنجاح الشخصي إلى نجاح مجتمعي.



كانت رسالته الضمنية أعمق من كلمات التهنئة؛ فقد أراد أن يزرع في نفوسهم يقينًا بأن قيمة الإنسان لا يصنعها مجموع درجاته وحده، بل ما يقدمه بعد ذلك لوطنه وللناس. وهذه رؤية تربوية بالغة الأهمية، لأنها تنقل مفهوم التفوق من كونه إنجازًا فرديًا إلى كونه مسؤولية أخلاقية.


وهنا تتجلى إحدى أهم سمات القيادة الحقيقية؛ فهي

 لا تكتفي بصناعة الناجحين، بل تصنع أصحاب الرسالة. 

والقائد الحقيقي لا يمنح أتباعه الإعجاب، بل يمنحهم الثقة في أنفسهم، ويجعلهم يؤمنون بأنهم قادرون على تغيير الواقع. وهذا ما فعله الإمام الأكبر في ذلك اللقاء الهادئ الذي حمل من الدلالات أكثر مما حمل من الكلمات.



إن المتأمل لمسيرة الإمام أحمد الطيب يلاحظ أن الإنسانية ليست عنوانًا يرفعه في المناسبات، بل هي الخيط الذي يربط جميع مواقفه. فهو لا يقيس البشر بانتماءاتهم، ولا يختزلهم في اختلافاتهم، وإنما ينطلق من إيمان راسخ بأن كرامة الإنسان قيمة مطلقة، وأن الرحمة ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة لبقاء المجتمعات واستقرارها.


ولهذا جاءت مواقفه دائمًا داعية إلى الحوار عندما يرتفع صوت الصراع، وإلى الحكمة عندما يسود الانفعال، وإلى العقل عندما تحاول العاطفة أن تقود المشهد. 

وهي مواقف لم تمنحه احترام المسلمين وحدهم، بل أكسبته تقديرًا واسعًا بين مختلف الثقافات، لأن اللغة التي يتحدث بها هي لغة يفهمها الجميع: لغة الإنسان.



ولعل أكثر ما يميز الإمام الأكبر أنه لم يسمح للمكانة التي يحتلها أن تصنع حاجزًا بينه وبين الناس. فما زال يحتفظ ببساطة العالم، وهدوء المفكر، وتواضع المربي، وهي صفات أصبحت نادرة في زمن أصبح فيه الظهور غاية عند البعض، بينما ظل هو يرى أن الأثر أهم من الصورة وأن الرسالة أبقى من الشهرة.


إن الأمم التي تكرم علماءها وتحتفي بمربي أجيالها إنما تستثمر في مستقبلها الحقيقي. ولذلك فإن تقدير شخصية مثل الإمام الأكبر أحمد الطيب لا يرتبط بموقعه الرسمي فقط، وإنما بما يمثله من منظومة قيم تحتاجها المجتمعات اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ قيم الحوار والرحمة، والاعتدال، واحترام الإنسان.




وفي تقديري، فإن أعظم ما قدمه الإمام الأكبر لم يكن خطابًا ألقاه، ولا لقاءً عقده، وإنما الفكرة التي رسخها بهدوء عبر سنوات طويلة: أن الدين إذا لم يصنع إنسانًا أكثر رحمة، وأكثر عدلًا، وأكثر احترامًا للآخر، فإنه لم يحقق غايته.


وهذا هو جوهر القيادة الحقيقية؛ أن تترك في النفوس نورًا لا ينطفئ، وأن تصنع بالأخلاق ما تعجز عنه السلطة وأن تمنح الشباب الأمل في زمن يكثر فيه الإحباط، لأن الأوطان لا تبنيها المباني وحدها، بل تبنيها القلوب التي تؤمن بقيمها، والعقول التي تحمل رسالتها.


ولذلك، سيظل الإمام الأكبر أحمد الطيب واحدًا من تلك الشخصيات التي يصعب اختصارها في منصب أو لقب لأنه اختار أن يكون صوتًا للحكمة حين يعلو الضجيج ويدًا تمتد إلى الإنسان قبل أي اعتبار آخر، لتؤكد أن أعظم رسالة يمكن أن يحملها العالم هي أن يبقى إنسانًا.

google-playkhamsatmostaqltradentX