كتب : د. عبد الرحيم ريحان
كشفت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، العاملة بجبانة تل آثار قويسنا بمحافظة المنوفية عن وحدة جنائزية جديدة، إلى جانب مجموعة من الاكتشافات الأثرية المهمة التي تُلقي الضوء على الممارسات الجنائزية والتفاعلات الثقافية والتجارية خلال العصرين المتأخر واليوناني الروماني، وذلك في إطار أعمال الحفائر العلمية الجارية بالموقع.
وتُعد جبانة تل آثار قويسنا من أهم جبانات الأفراد بمنطقة وسط الدلتا، إذ تمتد على مساحة 300 فدان
وقد كُشف عنها عام 1991. وتضم عددًا من الوحدات الجنائزية التي تعود إلى فترات تاريخية متعاقبة، ما يجعلها من أبرز المواقع الأثرية لدراسة تطور أساليب الدفن والمعتقدات والطقوس الجنائزية في دلتا مصر عبر العصور.
الوحدة الجنائزية
تُعد الوحدة الجنائزية، أو المجمع الجنائزي، بمثابة "المدينة الأبدية" المتكاملة التي خُصصت لدفن الملك
أو النبيل، وتأمين عبوره إلى العالم الآخر، بما يضمن استمرار حياته الأبدية وتقديم القرابين له.
ويتكون المجمع الجنائزي من المقبرة (الهرم أو المصطبة) لحفظ المومياء، والمعبد الجنائزي لتقديم القرابين وأداء الطقوس، ومعبد الوادي الذي يقع بالقرب من نهر النيل وكان يُستخدم لاستقبال الجثمان عبر المراكب وتطهيره قبل نقله إلى المقبرة، بالإضافة إلى الطريق الصاعد، وهو ممر مغطى يربط بين معبد الوادي والمعبد الجنائزي.
وشهدت الوحدات الجنائزية في العصر المتأخر والعصرين اليوناني والروماني امتزاجًا بين العمارة المصرية القديمة والفنون الهلنستية والرومانية، وأصبح التخطيط المعماري للوحدة الجنائزية يتكون عادةً من صالة رئيسية تؤدي إلى عدة غرف.
تماثيل الأوشابتي
عُثر في الكشف على 560 تمثالًا من الأوشابتي، وهو عدد يفوق ما عُثر عليه في مقبرة توت عنخ آمون، والذي بلغ 413 تمثالًا.
وكلمة أوشابتي مشتقة من الفعل المصري القديم "وشب"، أي "يجيب"، ولذلك عُرفت باسم "التماثيل المجيبة". وكانت هذه التماثيل تُصنع على هيئة مومياوات بملامح تشبه صاحب المقبرة، وتصنع من الحجر
أو الفيانس أو الخشب أو البرونز.
وكانت وظيفتها القيام بالأعمال الشاقة والزراعية نيابة عن المتوفى في العالم الآخر، مثل حرث الحقول، وسقي الأراضي، ونقل الرمال، كما كانت تُنقش عليها نصوص من كتاب الموتى.
وجرت العادة على وضع 403 تماثيل في المقبرة الواحدة، بواقع 365 تمثالًا للعاملين بعدد أيام السنة
و36 تمثالًا للرؤساء، وتمثالين للكاتب.
العلاقات التجارية
عُثر أيضًا على نماذج من الفخار المستورد من جزيرة رودس، وهو ما يعكس قوة العلاقات التجارية بين مصر واليونان خلال العصرين اليوناني والروماني.
وقد تحولت مصر في تلك الفترة إلى مركز عالمي للتجارة والترانزيت، يربط بين الشرق والغرب، بينما كانت اليونان حلقة الوصل مع أسواق أوروبا. وأسهم تأسيس الإسكندر الأكبر لمدينة الإسكندرية في ازدهار تجارة البحر المتوسط، فأصبحت مصر ممرًا رئيسيًا للسلع القادمة من الهند وشرق إفريقيا، مثل الحرير والبهارات والعاج، قبل إعادة تصديرها إلى اليونان ودول حوض البحر المتوسط.
وفي المقابل، استوردت اليونان من مصر القمح والكتان والبردي، بينما صدّرت إليها الفضة، ومواد التعدين الفاخرة، وزيت الزيتون.
وأدى ذلك إلى تدفق آلاف اليونانيين للعمل في الإدارة والتجارة داخل مصر، مما أسهم في حدوث امتزاج حضاري واسع وعقد صفقات تجارية منظمة. وفي العصر الروماني أصبحت مصر سلة غذاء الإمبراطورية واعتمدت روما عليها بصورة أساسية في توريد القمح.
الممارسات الجنائزية
شملت الممارسات الجنائزية في مصر القديمة طقوسًا متعددة لضمان الخلود، كان أبرزها التحنيط لحفظ الجسد، وهي عملية كانت تستغرق نحو 70 يومًا، ووضع الأحشاء في الأواني الكانوبية، وتلاوة التعاويذ الواردة في النصوص الجنائزية، وعلى رأسها كتاب الموتى.
كما شملت بناء المقابر وتجهيزها بالأثاث والمجوهرات وتماثيل الأوشابتي، إلى جانب النصوص الجنائزية التي تضمنت أدعية وتعويذات سحرية دُوّنت داخل المقابر
أو على ورق البردي لمساعدة الروح في تجاوز العقبات. ومن أشهر هذه النصوص: نصوص الأهرام في الدولة القديمة، ونصوص التوابيت في الدولة الوسطى، وكتاب الموتى في الدولة الحديثة.
وكانت الجنازة تُنقل في موكب مهيب يضم الكهنة والأقارب، وقبل إدخال المومياء إلى غرفة الدفن تُقام طقوس فتح الفم بواسطة الكاهن باستخدام أدوات مقدسة على التمثال أو المومياء، بهدف إعادة الحواس إلى المتوفى حتى يتمكن من الأكل والشرب والكلام في العالم الآخر.
ولم تقتصر القرابين على يوم الدفن، بل استمر أقارب المتوفى والكهنة في تقديم الطعام والشراب داخل المعبد الجنائزي الملحق بالمقبرة، ضمانًا لاستمرار حياة الروح.
مشهد المحاكمة بعد الموت
يُعد مشهد المحاكمة بعد الموت، المعروف باسم محاكمة أوزيريس، الاختبار الحاسم لروح المتوفى، حيث يقف أمام 42 قاضيًا، ويعدد أعماله الصالحة ويتبرأ من خطاياه فيما يُعرف بـ الاعترافات السلبية، ثم يُوزن قلبه في ميزان العدالة مقابل ريشة ماعت، رمز الحق والصدق
لتحديد مصيره الأبدي.
وتتم تفاصيل المشهد على النحو الآتي:
- ميزان العدالة: يوضع قلب المتوفى في إحدى كفتي الميزان، بينما توضع ريشة الإلهة ماعت في الكفة الأخرى.
- تسجيل الحكم: يتولى الإله تحوت، إله الحكمة والمعرفة، ذو رأس طائر أبو منجل، تسجيل نتيجة الوزن في لفافة من البردي.
- القضاة الإلهيون: يتكون المجلس من 42 قاضيًا يمثلون أقاليم مصر المختلفة، ويرأسهم الإله أوزيريس، إله العالم الآخر.
- الوحش أمّيت: وهو كائن أسطوري يجمع بين رأس التمساح وجسم الأسد ومؤخرة فرس النهر ويجلس بجوار الميزان لالتهام قلب الميت إذا كان مثقلًا بالخطايا، فيتعرض لما يُعرف بالموت الأبدي.
أما إذا كان القلب خفيفًا ومتوازنًا مع ريشة ماعت، فإن المتوفى يُعلن "صادق الصوت" أو "صادق الوجه"، ويُسمح له بدخول حقول القصب، حيث ينعم بالحياة الأبدية.


