recent
أخبار ساخنة

الدكتورة إيناس عمر الصاوي | تكتب ما وراء المشهد | الأوكتاجون… خطاب الدولة لا خطاب المناسبة




     ما وراء المشهد

 بقلم : الدكتورة إيناس عمر الصاوي 

مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي 

هناك خطابات تُقال لتنتهي بانتهاء المناسبة، وهناك خطابات تؤسس لفكرة، وترسم ملامح مرحلة، وتكشف عن فلسفة دولة في إدارة حاضرها واستشراف مستقبلها. 

ومن هذا النوع جاء خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية “الأوكتاجون”.

 فلم يكن خطابًا عن مبنى، ولا احتفاءً بإنجاز هندسي

 أو عسكري، بل كان إعلانًا عن طريقة تفكير الدولة المصرية في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.


اللافت في الخطاب أنه لم ينطلق من فكرة “امتلاك القوة”، وإنما من مفهوم “إدارة القوة”. 

والفارق بين المفهومين هو الفارق بين دولة تبحث عن النفوذ، ودولة تبحث عن الاستقرار. فامتلاك القوة قد يحقق الهيبة، لكن حسن إدارتها هو الذي يصنع المكانة.


لقد اختار الرئيس أن يربط القوة بالسلام، وهي معادلة تبدو للوهلة الأولى متناقضة، لكنها في الحقيقة تمثل جوهر الفكر الاستراتيجي الحديث.

 فالدول التي تفتقد القدرة على الردع تصبح أكثر عرضة للابتزاز والتهديد بينما الدول القادرة على حماية مصالحها تمنح نفسها مساحة أوسع للدفاع عن السلام.

 ومن هنا، لم يكن الحديث عن تطوير القدرات العسكرية دعوة إلى المواجهة، بل رسالة تؤكد أن السلام يحتاج إلى قوة تحميه، وليس إلى أمنيات تتمنى استمراره.



ومن يقرأ الخطاب في سياقه الإقليمي، يدرك أن الرسائل لم تكن موجهة إلى الداخل وحده.

 فالشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى، تتداخل فيها الصراعات العسكرية مع الحروب السيبرانية، والتنافس الاقتصادي، وضغوط المعلومات ومحاولات التأثير في الرأي العام. وفي مثل هذه البيئة

 لم تعد القيادة العسكرية مجرد غرفة لإدارة العمليات، بل أصبحت مركزًا لإدارة الدولة في أوقات الأزمات، وعقلًا يجمع بين المعلومة والتحليل وسرعة القرار.


وهنا تتجلى دلالة “الأوكتاجون”. فالمبنى ليس هو الرسالة، وإنما الفلسفة التي يمثلها.

 إنه إعلان عن انتقال الدولة المصرية من مفهوم رد الفعل إلى مفهوم الاستعداد، ومن إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى بناء القدرة على توقعها والتعامل معها قبل أن تتحول إلى تهديد مباشر.

 وهذا هو الفارق الحقيقي بين الدولة التي تتحرك وفق الأحداث، والدولة التي تصنع لنفسها هامشًا من المبادرة.


كما أن الخطاب كشف عن تطور واضح في مفهوم الأمن القومي المصري. فلم يعد الأمن مرتبطًا فقط بحماية الحدود، وإنما أصبح يرتبط بحماية القرار الوطني، وتأمين البنية التحتية، وصون مقدرات الدولة، والحفاظ على استقرار المجتمع في مواجهة تحديات تتجاوز شكل الحروب التقليدية.

 إنها رؤية ترى أن الأمن يبدأ من الإنسان، ويمر بالمؤسسات، وينتهي بقدرة الدولة على الاستمرار مهما تبدلت الظروف.


ومن منظور إعلامي، فإن الخطاب لم يعتمد على لغة التحدي أو التصعيد، بل على لغة الثقة. وهذه نقطة تستحق التأمل؛ فالدول الواثقة لا تحتاج إلى المبالغة في استعراض قوتها، لأنها تدرك أن الرسائل الأكثر تأثيرًا هي تلك التي تجمع بين الوضوح والاتزان.

 ولهذا جاءت الكلمات محسوبة، هادئة، لكنها تحمل قدرًا كبيرًا من الحسم في القضايا المرتبطة بالأمن القومي.


كما أن اختيار افتتاح هذا الصرح في هذا التوقيت يحمل رسالة لا تقل أهمية عن مضمون الخطاب نفسه. ففي عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة، وتزداد فيه الأزمات تعقيدًا، تؤكد مصر أنها لا تنتظر المستقبل حتى يفاجئها بل تستعد له. فالجاهزية أصبحت جزءًا من مفهوم السيادة، والتخطيط طويل المدى أصبح أحد أهم أدوات حماية الدولة.


غير أن الرسالة الأعمق، في تقديري، لم تكن عسكرية ولا سياسية فقط، وإنما حضارية. فالدولة التي تبني مؤسسة بهذا المستوى، وفي الوقت نفسه تواصل الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة والتنمية، تقدم نموذجًا يرى أن عناصر القوة لا تتعارض، بل تتكامل. 

فلا قيمة لتنمية بلا أمن يحميها، ولا قيمة لأمن لا يستند إلى اقتصاد قوي ومجتمع متماسك وإنسان قادر على البناء.



إن خطاب “الأوكتاجون” لم يكن احتفالًا بالحاضر بقدر ما كان حديثًا عن المستقبل. 

مستقبل تُبنى فيه الدولة على التخطيط، لا الارتجال وعلى المؤسسات، لا الأفراد، وعلى الجاهزية، لا ردود الأفعال.


ولهذا، فإن القيمة الحقيقية للخطاب لا تكمن فيما قاله عن منشأة عسكرية، وإنما فيما كشفه عن فلسفة دولة تؤمن بأن القوة ليست نقيض السلام، بل شرط من شروط حمايته، وأن السيادة لا تُصان بالشعارات، بل بالعلم والمؤسسات، والتخطيط، والإرادة الوطنية.


وفي زمن تتغير فيه خرائط النفوذ كل يوم، يبقى الرهان الحقيقي ليس على من يملك القوة فقط، بل على من يعرف متى يستخدمها، وكيف يوظفها، ولماذا يحتفظ بها

وتلك، في تقديري، كانت الرسالة الأكثر عمقًا في خطاب الأوكتاجون.

google-playkhamsatmostaqltradentX