recent
أخبار ساخنة

حتى لا يظنوا أنك لا تتعب


 

بقلم : الدكتورة شيماء الشافعي

نكبر ونحن نتعلم أن الصمت وقار، وأن تحمّل الأوجاع دون شكوى هو قمة القوة والصلابة.

نعتاد أن نبتلع غصاتنا، ونخفي إرهاقنا خلف قناع من الابتسام والهدوء، ظنًّا منا أن المحيطين بنا سينتبهون من تلقاء أنفسهم إلى حجم الثقل الذي نحمله.

لكن الأيام تهدم هذا الوهم دائمًا، وتثبت لنا أن الغرق في الصمت لا يحمينا

 بل يمحو أثر تضحياتنا في عيون الآخرين.

حين تخفي تعبك باستمرار، فلا تلُم الناس لأنهم لم يروه؛ فبعض الحقوق لا تضيع لأن الناس ظلموك، بل لأنك لم تتكلم. فالصمت فضيلة، لكن ليس على حساب نفسك.



توقفت طويلًا أمام مشهد بسيط يتكرر كل يوم؛ فالرضيع لا يحصل على حاجته من الحليب إلا عندما يبكي، ليس لأن أمه لا تحبه، ولا لأنها لا تريد إطعامه، بل لأنها لا تعلم أنه جائع إلا عندما يُعبّر عن حاجته.

ومن هنا أدركت أن في الحياة درسًا عميقًا، وهو أنه ليس كل من يحتاج إلى المساعدة يحصل عليها، بل غالبًا ما يحصل عليها من يُعبّر عن حاجته.

فهناك أشخاص يعيشون حياتهم وهم يحملون أثقالًا لا يراها أحد؛ موظف ينجز بصمت، ويتحمل أخطاء غيره، ويؤدي أكثر مما يُطلب منه، حتى يظن الجميع أن الأمر سهل بالنسبة إليه، وصديق يبتسم دائمًا، بينما يخوض في داخله معارك لا يعلمها أحد. ومع مرور الوقت، يتحول صبرهم في نظر الناس إلى عادة، لا إلى تضحية تستحق التقدير.



فالصمت لا يُخبر الآخرين بما تعانيه. وكثير منا يظن أن الآخرين سيشعرون به تلقائيًا، لكن الحقيقة أن الناس لا ترى ما نخفيه، ولا تسمع ما لم نقله.

فمن يراك مبتسمًا سيظن أنك بخير، ومن يراك صامتًا قد يظن أنك لا تحتاج إلى شيء، وليس ذلك لأنهم لا يهتمون دائمًا، بل لأنهم لا يعلمون.

فالصمت فضيلة عندما يمنع خصومة، ويحفظ لسانك من الأذى، ويكون اختيارًا نابعًا من الحكمة. أما إذا أصبح سببًا في ضياع حق، أو استمرار ظلم أو استنزاف صحتك النفسية والجسدية، فقد تحول إلى عبء، لا إلى فضيلة.



وليس من الشجاعة أن تتحمل كل شيء وحدك، كما أن الشكوى الحكيمة ليست ضعفًا، بل وسيلة لإصلاح الخلل وطلب العون.

لقد علمنا الإسلام أن نشكو إلى الله، وأن نطلب حقوقنا بالطرق المشروعة وأن ندفع الظلم بالحكمة والعدل. فالشكوى ليست مذمومة على إطلاقها وإنما المذموم هو اليأس والاعتراض على قضاء الله.

أما التعبير عن الألم، وطلب الإنصاف، والسعي إلى رفع الظلم، فهي أمور مشروعة، بل قد تكون واجبة إذا ترتب على الصمت ضرر.

فلا تجعل صبرك حجابًا يحجب حقيقتك، ولا تجعل قدرتك على التحمل سببًا في أن يظن الناس أنك لا تتعب.

تحدث عندما يكون للكلام أثر، واطلب المساندة عندما تحتاج إليها، ودافع عن حقك بحكمة؛ فالله لم يخلق الإنسان ليعيش مثقلًا وحده، بل جعل بين الناس رحمةً وتعاونًا وتكافلًا.



فليس كل بكاء ضعفًا، وليس كل شكوى اعتراضًا؛ فبعض الكلمات التي نقولها في الوقت المناسب تنقذ حقًا، وتحفظ كرامة، وتمنع قلبًا من الانكسار.

وتذكر دائمًا أن لجسدك ونفسيتك عليك حقًا، وأن إظهار التعب ليس عيبًا

بل هو اعتراف ببشريتك.

لا تظلم نفسك بالصمت المطلق، ثم تلوم المحيطين بك على قلة تقديرهم.

اكسر حاجز الصمت قبل أن يكسرك، وبُح بوجعك بحكمة وتوازن.

فالكلمة الصادقة في وقتها المناسب قد تكون طوق النجاة الذي طالما انتظرته، وجسر الرحمة الذي يربطك بقلوب من يحبونك.

google-playkhamsatmostaqltradentX