recent
أخبار ساخنة

في الذكرى الـ 70 لتأميم قناة السويس.. قرارٌ غيّر تاريخ مصر

 


   تحقيق صحفي

بقلم : سمير الدسوقي

في مساء السادس والعشرين من يوليو عام 1956، وقف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، ليعلن قرارًا سيظل أحد أكثر القرارات تأثيرًا في التاريخ المصري والعربي الحديث: تأميم الشركة العالمية لقناة السويس.

لم يكن القرار مجرد نقل ملكية مرفق اقتصادي إلى الدولة المصرية، بل كان إعلانًا صريحًا عن حق مصر في السيادة على مواردها، وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة لتبدأ بعده واحدة من أهم المحطات السياسية والعسكرية في القرن العشرين.

وبعد مرور سبعين عامًا على ذلك القرار التاريخي، لا تزال قناة السويس تمثل شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية، فيما يظل التأميم نموذجًا لإرادة الدولة المصرية في الدفاع عن استقلال قرارها الوطني وسيادتها على مقدراتها.

من الامتياز الأجنبي إلى السيادة الوطنية

افتُتحت قناة السويس عام 1869 بعد سنوات من أعمال الحفر، إلا أن إدارتها ظلت خاضعة للشركة العالمية لقناة السويس، صاحبة الامتياز الفرنسي البريطاني، بينما أصبحت بريطانيا صاحبة النفوذ الأكبر بعد شراء أسهم مصر في الشركة عام 1875.

وعقب قيام ثورة 23 يوليو 1952، سعت القيادة المصرية إلى إنهاء مظاهر الهيمنة الأجنبية، وكان مشروع السد العالي في مقدمة أولوياتها التنموية. وبعد أن سحبت الولايات المتحدة والبنك الدولي عرض تمويل المشروع، جاء قرار التأميم ليمنح مصر موردًا ماليًا ضخمًا يمكن من خلاله تمويل بناء السد العالي.

خطاب غيّر مجرى التاريخ

في خطابه التاريخي يوم 26 يوليو 1956، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم الشركة العالمية لقناة السويس مؤكدًا أن القناة أصبحت ملكًا للشعب المصري، وأن إيراداتها ستُوجَّه لخدمة التنمية الوطنية.

وفور انتهاء الخطاب، كانت القوات المصرية قد أحكمت سيطرتها على مقار الشركة وإدارتها في عملية دقيقة أُعدَّت بسرية تامة، لتنتقل إدارة القناة إلى المصريين دون أن تتوقف حركة الملاحة.

العدوان الثلاثي.. اختبار الإرادة

أثار قرار التأميم غضب بريطانيا وفرنسا، اللتين اعتبرتا الخطوة تهديدًا مباشرًا لمصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية، فتعاونتا مع إسرائيل في شن العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر 1956.

ورغم التفوق العسكري لقوات العدوان، فإن صمود الشعب المصري، وبسالة المقاومة في مدن القناة، إلى جانب الضغوط الدولية، ولا سيما من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والأمم المتحدة، أجبرت قوات العدوان على الانسحاب، لتخرج مصر بانتصار سياسي عزز مكانتها على الساحة الدولية.

آثار اقتصادية وسياسية ممتدة

لم يكن نجاح التأميم مجرد انتصار سياسي، بل أسس لمرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية، إذ أصبحت إيرادات القناة تؤول إلى الخزانة العامة للدولة، وأسهمت في تمويل عدد من المشروعات القومية الكبرى، وفي مقدمتها السد العالي.

كما منح القرار دفعة قوية لحركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا، ورسخ مكانة مصر بوصفها إحدى الدول الرائدة في حركة عدم الانحياز.

قناة السويس اليوم.. شريان عالمي

بعد سبعة عقود من التأميم، أصبحت قناة السويس واحدة من أهم الممرات الملاحية في العالم، إذ يمر عبرها جانب كبير من حركة التجارة الدولية بين الشرق والغرب.

وشهدت القناة خلال السنوات الأخيرة مشروعات تطوير وتوسعة، كان أبرزها افتتاح قناة السويس الجديدة عام 2015، إلى جانب تنفيذ خطط متواصلة لتحديث المجرى الملاحي وزيادة قدرته الاستيعابية، بما يعزز مكانة مصر مركزًا عالميًا للتجارة والخدمات اللوجستية.

بين التاريخ والحاضر

يرى مؤرخون أن قرار التأميم لم يكن مجرد حدث اقتصادي، بل مثّل نقطة تحول في مفهوم السيادة الوطنية، ورسالة واضحة بأن امتلاك القرار الاقتصادي لا يقل أهمية عن امتلاك القوة العسكرية.

ورغم ما شهدته الساحة الدولية من تغيرات خلال العقود السبعة الماضية، فإن ذكرى تأميم قناة السويس تظل شاهدًا على قدرة الدولة المصرية على اتخاذ قرارات مصيرية في لحظات فارقة من تاريخها.

خاتمة

بعد سبعين عامًا، لم يعد تأميم قناة السويس مجرد صفحة في كتب التاريخ، بل تحول إلى رمز لاستعادة الإرادة الوطنية، وإلى درس يؤكد أن القرارات الكبرى مهما بدت محفوفة بالمخاطر، قد تصبح نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من الاستقلال والتنمية.


وبينما تواصل قناة السويس أداء دورها بوصفها أحد أهم الممرات الملاحية العالمية، يبقى يوم 26 يوليو 1956 علامة فارقة في التاريخ المصري، وذكرى لقرار غيّر وجه مصر والمنطقة، وترك أثرًا ممتدًا في التاريخ الحديث.

google-playkhamsatmostaqltradentX